دينار آل سليمان ودرهمهم
كبابليين حفا بالعفاريت
لا يرجيان ولا يرجى نوالهما
كما سمعت بهاروت وماروت
وجد هذا الخليفة في سنة 167 في طلب الزنادقة والبحث عنهم في الآفاق، وتوفر على تقصيب
137
الفلاسفة وتقطيع كتبهم والإمعان في قتال الملحدين لما انتشر من كتب ماني
138
وابن ديصان ومرقيون مما نقله ابن المقفع وغيره، وترجمت من الفارسية والفهلوية إلى العربية، وما صنفه في ذاك الوقت ابن أبي العوجاء وحماد عجرد ويحيى ابن زياد ومطيع بن إياس تأييدا لمذهب المانية والديصانية والمرقيونية، فكثر بذلك الزنادقة وظهرت آراؤهم في الناس، وأنشئ للزنادقة ديوان خاص دعوا القائم عليه صاحب ديوان الزنادقة، وجعل لهم حبس يدعونه حبس الزنادقة، وكان المهدي
139
قد قال للهادي يوما، وقد قدم إليه زنديق فقتله وأمر بصلبه: يا بني إذا صار الأمر إليك فتجرد لهذه العصابة، يعني أصحاب ماني فإنها تدعو الناس إلى ظاهر حسن كاجتناب الفواحش والزهد في الدنيا والعمل للآخرة، ثم تخرجها من هذا إلى تحريم اللحوم ومس الماء الطهور وترك قتل الهوام تحرجا، ثم تخرجها إلى عبادة اثنين أحدهما النور والآخر الظلمة، ثم تبيح بعد هذا نكاح الأخوات والبنات والاغتسال بالبول وسرقة الأطفال من الطرق لتنقذهم من ضلال الظلمة إلى هداية النور. وكان عبد الكريم بن أبي العوجاء بالبصرة يفسد الأحداث فقال له عمرو بن عبيد: قد بلغني أنك تخلو بأحداث من أحداثنا وتدخلهم في دينك، فإن خرجت من مصرنا وإلا قمت فيك مقاما أخاف منه على نفسك، فلحق بالكوفة فدل عليه محمد بن سليمان فقتله وصلبه بها.
قال المسعودي: وكان المهدي أول من أمر الجدليين من أهل البحث من المتكلمين بتصنيف الكتب على الملحدين ممن ذكرنا من الجاحدين وغيرهم فأقاموا البراهين على المعاندين، وأزالوا شبه الملحدين، فأوضحوا الحق للشاكين، أما الرشيد فمنع من الجدل في الدين وحبس أهل علم الكلام ثم أخرجهم، وأما ابنه المأمون فأطلق للحرية العنان فتمتع علماء الكلام والفلاسفة وغيرهم في أيامه بأجمل حسنات الحرية المطلقة.
ولقد كاد المعتزلة للمحدثين في عصر المأمون والمعتصم؛ لأن المعتزلة يتشددون في قبول الحديث ولا يعملون به إلا بعد جهد، فلما تراجع أمر المعتزلة وقوي المحدثون كال هؤلاء لخصومهم الصاع صاعين، واتهم أحمد بن أبي داود من عظماء العباسيين، حميد بن سعيد من وجوه المعتزلة بالزندقة «وأحضر المعتصم أحمد بن حنبل وامتحنه بالقرآن فلم يجب إلى القول بخلقه فجلده حتى غاب عقله وتقطع جلده وقيد وحبس.» وقتل الواثق (231) في المحنة على القرآن أحمد بن نصر من علماء عصره وصلبه وكتب في أذنه رقعة: «هذا رأس الكافر المشرك الضال وهو أحمد بن نصر بن مالك ممن قتله الله على يدي عبد الله هارون الإمام الواثق بالله أمير المؤمنين بعد أن أقام عليه الحجة في خلق القرآن ونفي التشبيه، وعرض عليه التوبة ومكنه من الرجوع إلى الحق، فأبى إلا المعاندة والتصريح، والحمد لله الذي عجل به إلى ناره وأليم عقابه، وأن أمير المؤمنين سأله عن ذلك فأقر بالتشبيه، وتكلم بالكفر، فاستحل بذلك أمير المؤمنين دمه ولعنه.» وقيل: إن ابن نصر قال للواثق أثناء المناقشة في خلق القرآن «مه يا صبي»، وأمر أن يتبع من وسم بصحبة أحمد بن نصر ممن ذكر أنه كان مشايعا له فوضعوا في الحبوس، ثم جعل نيف وعشرون رجلا في حبوس الظلمة، وضيق عليهم.
140
وحمل أبو يعقوب البويطي
141
خليفة الشافعي في حلقته بعده إلى بغداد مغلولا مقيدا وأريد على القول بخلق القرآن فامتنع فحبس ببغداد إلى أن مات في القيد والسجن، ونشأت أولا وآخرا غوائل وخصومات منع من اشتدادها ما كان عليه الناس من أخلاق حسنة كان الدين المؤثر الأول فيها، وكان على شيء من نضارته الأولى.