الاضطهاد في سبيل المذاهب والأفكار
128
منذ ظهر الإسلام كان من يخالف الجمهور في المعتقدات والآراء يحمل إلى الولاة، فإما أن يستتيبوه أو يعاقبوه، وما فتئ المهيمنون على الشريعة يثيرونها شعواء على كل من جاهر بفكرة دعا إليها أو لم يدع، ويكفي في بلائه خروجه عن المألوف والعرف، وكانت أهم مسائل القرن الأول مسألة القدرية اهتزت لها الخلافة واهتز لها الناس، وما هي بالأمر المهم إذا قيست بالمظالم والمنكرات التي حدثت، وبعضها مما يشغل مئات من العاملين في إصلاحه، ورأوا من أهمتهم مسائل القدر فقط انفراج ما بين الشرع ومنتحليه فما أنكروا ولا انتقدوا، وذهبوا يناوئون سرا وجهرا كل باحث خالف لهم فكرا، خصوصا إذا شعروا أن صاحب الأمر مواطئ لهم على ما يذهبون إليه، أو أنه يريد أن يلبس المخالف له ثوب الدين لينتقم منه من أجل السياسة؛ ولذا كان بعضهم يغلون في المثالث والمناقب فأفسدوا وما قدروا مدى إفسادهم.
وما خلا عصر من جامدين كان لهم السلطان الأكبر على العقل فعبثوا به وبأهله، وهؤلاء هم الذين خاطبهم الغزالي في القرن الخامس
129
بقوله: «وأنى تتجلى أسرار الملكوت لقوم إلههم هواهم، ومعبودهم سلاطينهم، وقبلتهم دراهمهم ودنانيرهم، وشريعتهم رعونتهم،
130
وإرادتهم جاههم وشهواتهم، وعبادتهم خدمتهم أغنياءهم، وذكرهم وساوسهم، وكنزهم سواسهم، وفكرهم استنباط الحيل لما تقتضيه حشمتهم.»
ولو جئنا نعدد من قضوا شهداء فكرهم لطال بنا الأمر؛ لأن لكل بلد منهم غير واحد أوذوا وعذبوا وأهلكوا، وما كانت السلطة التنفيذية على ما يظهر تنزل على إرادة السلطة القضائية في معنى اضطهاد الأفكار، إلا إذا كان للسلطان مأرب من ذلك، يحاول أن يسد الذريعة
131
في وجه من يرجى أن يستخدم السياسة لمآرب، فيتخذ الملك من الدين حجة.
أول زندقة عرفت في زمن الخليفة الرابع زندقة أناس غلوا فيه فألهوه فأحرقهم بالنار، وقتل هشام بن عبد الملك غيلان بن مروان من القائلين بالقدر، قيل: إنه نال كثيرا من بني أمية، وكان من مذهبه أن الخلافة تصلح في غير قريش إذا استوفى الخليفة الشروط المطلوبة، وهو رأس المعتزلة ومن نوابغ العلماء الذين حاربوا الظلم والتظالم،
132
وضرب الحجاج عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه الراوي من التابعين أربعمائة سوط ثم قتله، والسبب في ذلك السياسة، وضرب خبيب بن عبد الله بن الزبير مائة سوط وكان لقي العلماء وقرأ الكتب وكان من النساك، ويذكرون أنه كان تعلم علما كثيرا لا يعرفون وجهه ولا مذهبه فيه، يشبه ما يدعي الناس من علم النجوم، فأمر الوليد بن عبد الملك فضرب بالسوط وبرد له ماء في جرة ثم صب عليه في غداة باردة فكز
133
فمات بها. وضرب أبو عمرو بن العلاء خمسمائة سوط، وضرب مالك بن أنس سبعين سوطا لأجل فتوى لم توافق غرض السلطان، سعي به إلى جعفر بن سليمان عم أبي جعفر المنصور وقالوا: إنه لا يرى أيمان بيعتكم هذه بشيء، واتهم عبد الصمد بن عبد الأعلى مؤدب الوليد بن يزيد بن عبد الملك بالزندقة، وقتل بمرو في آخر ملك بني أمية
134
جهم بن صفوان لما ظهرت دعوته بترمذ، لا لأن له رأيا في الدين؛ بل لأنه قام مع الحارث بن سريح في خراسان يجاذب الأمويين حبل السلطة. وقتل الوليد أبا بيهس الهيصم بن جابر صاحب البيهسية وأمر أن تقطع يداه ورجلاه أولا.
واتهم المهدي العباسي شريكا القاضي بالزندقة؛ لأنه كان يكره العباسيين، وقتل المهدي صالح بن عبد القدوس على الشبهة
135
متهما إياه بالزندقة مع أنه لما وافاه أعجب بغزارة علمه وأدبه وحكمته، وقتل المهدي بشار بن برد بدعوى الإلحاد. وروى قوم أن كتبه
136
فتشت فلم يصب فيها شيء مما كان يرمى به وأصيب له كتاب فيه إني أردت هجاء آل سليمان بن علي (بن عبد الله بن عباس) فذكرت قرابتهم من رسول الله فأمسكت عنهم، إلا أني قلت: