تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يقول المقدسي:

126

إن التعصب قد ثوره الجهال المسرفون من القصاص وغيرهم، وأما الأمة فهي على النقيض من ذلك، قال هذا في القرن الرابع وما زال الأمر على ذلك في أكثر العصور إلى يومنا؛ ولذلك كان واجب العقلاء من أهل المذاهب الإسلامية كافة، وكلها في جوهرها مسلمة، أن تسدل اليوم دون حوادث الماضي حجابا كثيفا، وتسعى قلبا وقالبا لأن يتناسى المسلمون ما شعب وحدتهم في الدهر الغابر، فالخلاف مهما كان وكانت الدواعي إليه قد انقضى عصره، وإن أهل بيت واحد يرون الخطر يتهددهم من كل مكان لأحرياء بأن يتناسوا ما بينهم من اختلافات طفيفة، ويهبوا يدا واحدة للقضاء على من يريد السوء بهم، ويفترص ما شجر بينهم ليستغلهم ويجعلهم مطية لمطامعه وأغراضه.

وبعد، فقد تبين من عدة إحصاءات قام بها بعض الغربيين في أدوار مختلفة أن المخالفين من المسلمين لعقائد أهل السنة والجماعة لا يتجاوزون العشرين مليونا في البلاد الإسلامية والباقون من أهل المذاهب الأربعة المتعارفة، والغالب

127

على المغرب الأقصى اليوم المذهب المالكي، وهو الغالب أيضا على الجزائر وتونس وطرابلس لا تكاد تجد فيها من مقلدي غيره إلا الحنفية بقلة، وهم من بقايا الأسر التركية وأكثرهم في تونس، ومنهم أفراد بيت الإمارة بها، ولهذا تمتاز حاضرتها بالقضاء الحنفي مشاركا للقضاء المالكي وأما سائر أعمالها فقضاتها مالكية. ويغلب في مصر الشافعي والمالكي، الأول في الريف والثاني في الصعيد والسودان، ويكثر الحنفي وهو مذهب الدولة والمتبع في الفتوى والقضاء، والحنبلي قليل بل نادر، ويغلب الحنفي في بلاد الشام ويكاد يشمل نصف أهل السنة بها، والربع شافعية والربع حنابلة، ويغلب الشافعي على فلسطين ويليه الحنبلي، فالحنفي فالمالكي، ويغلب الحنفي على العراق ويليه الشافعي وبه مالكية وحنابلة، والغالب على الأتراك والألبان وسكان بلاد البلقان الحنفي، وعلى بلاد الأكراد الشافعي وهو الغالب على بلاد إرمينية؛ لأن مسلميها من أصل تركماني أو كردي، والسنيون من أهل فارس أغلبهم شافعية وقليل منهم حنفية. والغالب على بلاد الأفغان الحنفي ويقل الشافعي والحنبلي، وعلى تركستان الغربية التي فيها بخارى وخيوة الحنفي. وأما تركستان الشرقية المسماة أيضا بالصينية، فكان الغالب عليها الشافعي ثم تغلب الحنفي بمسعى العلماء الواردين عليها من بخارى. والغالب على بلاد القوقاز، وما والاها الحنفي وفيهم الشافعية. والغالب في الهند الحنفي، ويقدر أتباعه بنحو 48 ألف ألف، وأتباع الشافعي بنحو ألف ألف ويكثر بها أهل الحديث والآثار. ومسلمو جزيرة سرنديب (سيلان) وجزائر الفليبين والجاوة وما جاورها من الجزائر شافعية، وكذلك مسلمو سيام، ولكن بها حنفية بقلة؛ نقله النازحون إليها من الهنود، ومسلمو الهند الصينية شافعية وكذلك مسلمو أستراليا. وفي البرازيل من أمريكا نحو 25 ألف مسلم حنفية، وفي البلاد الأميركية الأخرى مسلمون مختلفو المذاهب، وتبلغ عدة الجميع نحو 140 ألفا، والغالب على أهل الحجاز الشافعي والحنبلي، وفيه حنفية ومالكية في المدن. وأهل نجد حنابلة، وأهل عسير شافعية؛ والسنيون في اليمن وعدن وحضرموت شافعية أيضا، وقد يوجد في نواحي عدن حنفية، والغالب على عمان مذهب الأباضية ولكنها لا تخلو من حنابلة وشافعية. ويغلب على قطر والبحرين المالكي وفيها حنابلة من الواردين عليها من نجد، والغالب على أهل السنة في الأحساء الحنبلي والمالكي، والغالب على الكويت المالكي. انتهى كلام تيمور.

وقال غلود صهير في معلمة الإسلام: إن المذهب الحنفي انتشر في معظم بلاد الإسلام كتركيا وآسيا الوسطى والهند، والشافعي في مصر وجنوبي بلاد العرب وجاوة وإفريقية الشرقية وسورية، والمالكي في المغرب وأحيانا في صعيد مصر وإفريقية الغربية الألمانية والإنجليزية. والحنبلي الذي كان إلى القرن الثامن (الرابع عشر) شائعا جدا في العراق ومصر والشام وفلسطين قد اقتصر اليوم من بلاد العرب على نجد.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ١٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ١٨٢