117
فاحتال فلم تنفع حيلته، ثم تناصروا في أيام المعتصم وكاتبوا الأفشين، وهو رئيس الأعاجم، فمال إليهم واجتمعوا على بابك، ثم زاد جمعهم على ثلاثمائة ألف فقتل المعتصم منهم ستين ألفا، وقتل الأفشين أيضا ثم ركدت دولتهم. ثم نبغ منهم جماعة قصدوا إبطال الإسلام ورد الدولة الفارسية، وأخذوا يحتالون في تضعيف قلوب المؤمنين، وأظهروا مذهب الإمامية وبعضهم مذهب الفلاسفة، وجعلوا لهم رئيسا كان مشعبذا ممخرقا، ادعى أن الأرض تطوى له، وكان يبعث خواص أصحابه إلى الأطراف ومعهم طيور ويأمرهم أن يكتبوا إليه الأخبار عن الأباعد ثم يحدث الناس بذلك.» «ونبغ رجل
118
متنمس بالزهد من سجستان يقال له أبو عبد الله بن الكرام، قليل العلم قد قمش من كل مذهب ضغثا
119
وأثبته في كتاب، وروجه على أغتام
120
غزنة وغور وسواد بلاد خراسان فانتظم ناموسه
121
وصار بعد ذلك مذهبا قد نصره محمود ابن سبكتكين السلطان، وجر البلاء على أصحاب الحديث والشيعة من جهتهم، وهو أقرب مذهب إلى مذهب الخوارج وهم مجسمة.»
122
ومن الفرق الباطنية المذهب الدرزي يقول: إن روح آدم انتقلت إلى علي بن أبي طالب، ومنه إلى أسلاف الحاكم بأمر الله ملك الفاطميين، متقمصة من واحد إلى آخر، والدين الحق توحيد الحاكم، ويفترض عندهم صدق اللسان بدل الصوم، وحفظ الإخوان بدل الصلاة، ويقرءون القرآن ويؤولونه، ويذهبون إلى قدم العالم تبعا لبعض الفلاسفة، ويقولون بالتناسخ معبرين عنه بالتقمص، وأن الهوية الإلهية تنتقل من قالب وتحل في قالب آخر في كل عصر، فتتجلى في كل زمن بصورة وتجلت أخيرا في الحاكم.
ونشأت أيضا فرق غريبة يصعب بعد التتبع الشديد معرفة العصر الذي وجدت فيه، وإن زعم الزاعم انقراضها يعسر عليه إثبات زمن انقراضها، كما تصعب معرفة ترجمة رجل من حذاقها. والذين كتبوا في هذا الشأن منهم الناقل غير الناقد، ومنهم المموه لغلبة الهوى عليه، ومنهم من لم تنشر كتبه، قاله شيخنا الجزائري، وفي كتاب مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري، والملل والنحل للشهرستاني، والملل والنحل لابن حزم، والفرق بين الفرق للبغدادي، وصف لهذه الفرق وتنوعها، ودعوى كل فرقة أنها ذاهبة بالحق اليقين، وأنها الناجية وحدها يوم الدين.
والأصل في جميع هذه الفرق وما تشعب عنها دعوى «الخلافة» أو مسائل دينية غير جوهرية استخدمها الدعاة لأجل الخلافة والملك، فالخلافة هي أساس البلاء جرت على الأمة ما جرت، وهلك في سبيل تحقيقها لفريق دون فريق الأخضر واليابس، وغدا «لكل
123
فرقة مقالة على حيالها، وكتب صنفوها، ودولة عاونتهم وصولة طاوعتهم.» وأهل السنة والجماعة يطلقون على أكثر هذه الفرق اسم المبتدعة، والبدعة عندهم على ضربين:
124
بدعة صغرى كغلو التشيع أو كالتشيع بلا غلو ولا تحرف، فهذا كثير في التابعين وأتباعهم مع الدين والورع والصدق. ثم بدعة كبرى كالرفض الكامل والغلو فيه والحط على أبي بكر وعمر والدعاء إلى ذلك، فالشيعي الغالي في زمن السلف وعرفهم هو من تكلم في عثمان والزبير وطلحة وطائفة ممن حارب عليا وتعرض لسبهم، والغالي هو الذي كفر هؤلاء السادة وتبرأ من الشيخين أيضا.
وهناك فرق الملاحدة من المتفلسفة ظهروا كما ذكر ابن تيمية
125
في كل زمان ومكان ضعف فيه نور الإسلام، وكان من أسباب ظهورهم أنهم ظنوا أن دين الإسلام ليس إلا ما يقوله أولئك المبتدعون، ورأوا ذلك فاسدا في العقل، فكان غلاتهم طاعنين في دين الإسلام باليد واللسان، كالخرمية أتباع بابك الخرمي وقرامطة البحرين أتباع أبي سعيد الجنابي وغيرهم. وأما مقتصدتهم وعقلاؤهم فرأوا أن ما جاء به محمد
صلى الله عليه وسلم
فيه من الخير والصلاح ما لا يمكن القدح فيه، بل اعترف حذاقهم بما قاله ابن سينا وغيره من أنه لم يقرع العالم ناموس أفضل من ناموس محمد، وكان هذا موجب عقلهم وفلسفتهم. ا.ه.