111
وقال المعري:
112
إن المسلمين لما اتسع ملكهم مازج العرب منهم غيرهم من الطوائف وسمعوا كلام الأطباء وأصحاب الهيئة وأهل المنطق فمالت منهم طائفة كثيرة، ولم يزل الإلحاد في بني آدم على ممر الدهور، ولا ملة إلا ولها قوم ملحدون، يرون أصحاب شرعهم أنهم موالفون، وهم فيما نظن مخالفون.
وقام مذهب الخوارج منذ القرن الأول يكفرون عليا وعثمان والحكمين وأصحاب الجمل، وكل من رضي بتحكيم الحكمين في وقعة صفين، والإكفار بارتكاب الذنوب ووجوب الخروج على الإمام الجائر، سماهم خصومهم بالخوارج؛ لأنهم خرجوا
113
على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه، ويسمى خارجيا كل من خرج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين، أو كان بعدهم على التابعين بإحسان والأئمة في كل زمان، وسموا أنفسهم بالشراة لقولهم: إنا شرينا أنفسنا في طاعة الله، أي بعناها بالجنة حين فارقنا الأئمة الجائرة، وقاتلهم علي ثم من بعده من الأمويين وغيرهم. وهم يخالفون من حيث المذهب أهل السنة في مسائل طفيفة، وقد افترقوا كالشيعة والمعتزلة فرقا كثيرة ذكرت في كتب الملل والنحل، وكانوا الغاية في الصلابة في الدين والشجاعة والصدق، ومذهبهم لم يتأثر بمؤثرات خارجية، وكانت بقايا الخوارج الأباضية ببلاد حضرموت إلى القرن الرابع،
114
والأباضية هم أصحاب عبد الله بن أباض الذي خرج في أيام مروان بن محمد.
وأهم الفرق التي خرجت على الجماعة وأضرت بالإسلام فرق الباطنية، ادعوا أن لكل ظاهر باطنا ولكل تنزيل تأويلا، وقد وضع أساس مذهبهم أناس من أبناء المجوس دخلوا في الإسلام، وتأولوا آيات القرآن وسنن الرسول على ما يوافقهم، استتروا لنشر مذهبهم وراء دعوى الخلافة لآل علي. ومن الباطنية الإسماعيلية القائلون بانتقال الإمامة بعد جعفر الصادق إلى ابنه الأكبر إسماعيل، انتقلت إليه بعد أبيه دون أخيه موسى الكاظم، وهم يرون أن الأرواح مسجونة في هذه الأجسام المكلفة بطاعة الإمام المطهر، والعقل عندهم هو حقيقة معبودهم، والإسماعيلية طبقات كالماسونية، والذين يرخص لهم بالاطلاع على أسرار الدين تسع طبقات. ومن فرق الباطنية النصيرية أتباع نصير غلام علي بن أبي طالب، يدعون ألوهية علي مغالاة فيه، ويزعمون أن مسكنه السحاب، ويدعي بعض منتحلي هذا المذهب أن ليس لهم ديانة خاصة أو مذهب خاص، بل إنهم مسلمون شيعيون جعفريون لا فرق بينهم وبين سائر الجعفرية، وليس بينهم قيود دينية أو اجتهادات علمية مع الإمامية إلا ما أوجبته السياسة والبيئة، ويعتقدون كسائر مذاهب الشيعة أن الأئمة الاثنى عشر معصومون من الخطأ.
قال ابن الجوزي في المنتظم:
115 «لما جاء النبي وقهر الأملاك وقمع الإلحاد اجتمع جماعة من الثانوية والمجوس والملحدين ومن دان بدين الفلاسفة المتقدمين، فأعملوا رأيهم وقالوا: ثبت عندنا أن جميع الأنبياء كذبوا ومخرقوا
116
على أممهم، وأعظم الكل علينا بلية محمد، فإنه نبغ بين العرب العظام وخدعهم بناموسه، فنصروه وبذلوا له أموالهم وأنفسهم، وأخذوا ممالكنا وقد طالت مدتهم، والآن فقد تشاغل أتباعه، ومنهم مقبل على كسب الأموال، ومنهم على تشييد البنيان، ومنهم على الملاهي، ومنهم يتلاعنون ويكفر بعضهم بعضا، فقد ضعفت أبصارهم، ونحن نطمع في إبطال دينهم، إلا أننا لا يمكننا محاربتهم لكثرتهم، فليس الطريق إلا إنشاء دعوة والانتماء إلى فرقة منهم، وليس فيهم أضعف عقولا من الرافضة، فندخل عليهم بذكر ظلم سلفهم الأشراف من آل نبيهم، ودفعهم عن حقهم وقتلهم، وما جرى عليهم من الذل، لنستعين بهؤلاء على إبطال دينهم، فتناصروا وتكاتبوا وتوافقوا وانتسبوا إلى إسماعيل بن جعفر بن محمد الصادق، وأخذوا بعض آرائهم من المجوس وبعضها من الفلاسفة ومخرقوا على أتباعهم، وقصدهم المجد المطلق، ويسمون الإسماعيلية والباطنية والقرامطة والخرمية والبابكية والمحمرة والشيعة والتعليمية، وأكثر مذهبهم يوافق الثانوية، والفلاسفة في الباطن، والروافض في الظاهر، وقد نبغ منهم قوم أظهروا إمامة محمد بن الحنفية، وقالوا: إن روح محمد انتقلت إليه، ثم انتقلت منه إلى أبي مسلم صاحب الدعوة، ثم إلى المهدي ثم إلى رجل يعرف بابن القصري ثم خمدت نارهم، ثم نبغ في أيام المأمون لهم رجل بيتهم