وإنه معصوم وآله عن الكبائر والصغائر، وإنه وآله لا يخطئون ولا ينسون ولا يسهون، وإن محمدا المهدي أحد أئمتهم مستور عن الناس كالخضر وإلياس إلى أن يؤذن له في الظهور.
وخالف الشيعة الأشاعرة بإمكان الرؤية البصرية يوم القيامة على الله تعالى، وقالوا كالمعتزلة باستحالتها مطلقا، وخالفوا في مسائل طفيفة ليست جوهرية، ومنها ما يقول به بعض الفرق الأخرى. وهم يقولون: إن عليا يرجع، ولما قتل علي قال عبد الله بن سبأ: لو أتيتمونا بدماغه ألف مرة ما صدقنا موته، ولا يموت حتى يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، «وفكرة الرجعة
106
هذه أخذها ابن سبأ من اليهودية وكان يهوديا قبل الإسلام، فعندهم أن النبي إلياس صعد إلى السماء وسيعود فيعيد الدين والقانون. ووجدت الفكرة في النصرانية أيضا في عصورها الأولى، وتطورت عند الشيعة إلى العقيدة باختفاء الأئمة، وأن الإمام المختفي سيعود فيملأ الأرض عدلا، ومنها نبعت فكرة المهدي المنتظر.»
والشيعة عدة فرق، ومنهم الغالي ومنهم المعتدل والرافضة فرقة من فرقهم. قال زيد بن علي:
107
الرافضة حربي وحرب أبي في الدنيا والآخرة، مردت الرافضة علينا كما مردت الخوارج على علي عليه السلام. قالوا: والرافضة أول ما ترفضت جاءت إلى زيد بن علي حين خرج فقالوا: تبرأ من أبي بكر وعمر حتى نكون معك، فقال: بل أتولاهما وأبرأ ممن يبرأ منهما، قالوا: فإذن نرفضك فسميت الرافضة. وأما الزيدية فقالوا: نتولاهما ونبرأ ممن يتبرأ منهما فخرجوا مع زيد فسموا الزيدية.
ورأي المعتزلة في الخلافة لم يتعد القول كثيرا، ولكن رأي الشيعة فيها تجاوز إلى العمل، ووضع الغالون منهم لتأييد مذهبهم أحاديث لا يصححها جمهور الأمة، ومن ذلك نهج البلاغة الذي ألفه الشريف الرضي من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وروى فيه خطبا له وكلاما يستحيل أن يقوله، ومنه ما لا يصدر عن عربي من أهل الصدر الأول؛ لأن فيه ألفاظا من مصطلحات القرن الثاني والثالث.
108
واضطر بعض علماء الملة أن يبحثوا في الدين على طريق فلسفي منطقي؛
109
لأن كثيرين ممن دخلوا في الإسلام في القرنين الأولين كانوا من النصارى واليهود والثنوية، ولا سيما أصحاب ماني، وكان مركزهم القديم في العراق، وكثير منهم على مذهب الديصانية والمرقيونية وغيرهم من فرق الثنوية، ثم فرق الدهرية وهم الفلاسفة والسمنية، والسمنية أصحاب سمن عبدة أوثان، يقولون بقدم الدهر وبتناسخ الأرواح وأن الأرض تهوي سفلا أبدا، وكان الناس على وجه الدهر سمنيين وكلدانيين، والكلدانيون هم الذين يسمون الصابئين والحرانيين، وبقاياهم بحران والعراق، ويزعمون أن نبيهم بوذاسف الخارج في بلاد الهند، وبعضهم يقولون هرمس، فأما بوذاسف فقد كان في أيام طمهورث الملك وأتى بالكتابة الفارسية وسمي هؤلاء صابئين في أيام المأمون. فأما الصابئون على الحقيقة ففرقة من النصارى، وبقايا السمنية بالهند والصين، والديصانية منسوبون إلى ابن ديصان وهم ثنوية، والمرقيونية ينسبون إلى المرقيون هم ثنوية أيضا، والمنانية هم المانوية منسوبون إلى ماني. وفي القرن الثاني كان في العراق يهود وصابئة ونصارى ومجوس وسامرة، وبعض من دخلوا في الإسلام منهم لم يتخلوا عن شعورهم وعاطفتهم فانسل بهم في الإسلام ما ليس منه، وظاهره الإسلام وما هو به.
وكان لكل مذهب من هذه المذاهب القديمة
110
كلام مدقق، وعقائد محررة مقررة على أصول فلسفية، استعد أربابها منذ قرون للرد على خصومهم ببراهين ودلائل، واعتادوا الجدل ومقارعة الخصوم، وكانت الشيعة محل امتزاج الثنوية بالإسلام خاصة؛ إذ كان في أفكارها الرئيسة من الموافقة مع مذهب الثنوية ما لا يخفى، مثال ذلك قولها في أئمتها وتجسيمها الذي هو أقرب شيء إلى تجسيم الثنوية، وقد ثبت عن كثير من رجالها أنهم جمعوا بين الرفض والزندقة. والزندقة هي مذهب الثنوية، والزنادقة والمعطلة والمهملة والملاحدة والدهرية والمزدكية شيء واحد، قال فيهم صاحب البدء والتاريخ: وما قط انتشروا في أمة من الأمم، ولا أقروا في وقت من الأوقات انتشارهم في هذه الأمة لإعطائهم الإقرار بالديانة ظاهرا، وحقن الشريعة دم من أجاب إليها، وهم هؤلاء الباطنية الباطلية الذين تخلعوا عن الأديان.