101
بغيضين إلى العامة والأمراء، أما الأمراء فلما يشترطونه في الخلافة من الشروط مما إذا انتشر في أفكار العامة لا يتيسر لأمير أو ملك أو خليفة أن ينطلق في أمر الأمة بما يشاء، وأما العامة فلأنهم ينفرون ممن يخرجهم عن الدين بمجرد إتيان المنكرات التي أطلق لهم العنان فيها من طرف خفي أمراء السوء، ممن يهمهم أن تكون العامة ممن يعينونهم على مقاصدهم. وكانت المعتزلة أعظم الفرق المناضلة عن الدين وشبه الملحدين. ا.ه.
يقول نيبرج:
102
يظهر أن لمذاهب الاعتزال أصلا يرجع إلى السياسة نشأ على مثال ما نشأ مذهب التشيع والخوارج، فإن استخلاف علي كان الخطر الأعظم الذي جرت منه المجاري في تاريخ الإسلام. ومعلوم أن كثيرا من المشار إليهم بالبنان من أصحاب الرسول أبوا أن يعترفوا لعلي بما طلبه منهم، أو بايعوه خلافا لما كانوا يبطنون، وفي مقدمتهم طلحة والزبير ومنهم سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة وأسامة بن زيد وصهيب ومسلمة بن وقش وزيد بن ثابت، وكان من طلحة والزبير أن ثارا علنا على علي، ومعظمهم ظلوا على حيدتهم. وتابع أهل المدينة هؤلاء الرجال على خطتهم وكذلك الأحنف بن قيس في البصرة مع ستة آلاف من بني تميم ورأس الأزد صبرة بن شيمان امتنعوا عن الدخول في الفتنة. وقد وردت في النصوص التي تشير إلى ذكر هؤلاء الناس كلمة اعتزال، ومعناها الاستنكاف والامتناع والابتعاد، وهي لفظ أصبح يعبر عن السياسة الحاضرة بمعنى أن صاحبه يربأ بنفسه عن الدخول في الفتنة بين علي وخصومه. ويقول النوبختي في كتاب فرق الشيعة: إن فريقا من الصحابة عندما بويع لعلي قد اعتزل الدخول مع الداخلين واتبعوا سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة وأسامة بن زيد، فاعتزل هؤلاء عليا وأبوا أن يقاتلوه أو يشايعوه فدعوا «المعتزلة»، وهم أجداد جميع المعتزلة اللاحقين. فمذهب الاعتزال الديني قد سبقه اعتزال سياسي قام به هذا المذهب. ا.ه.
وهناك طائفتان الجبرية
103
والقدرية: فأما الجبرية فإن الذي أداهم إلى ما يعتقدونه هو نظرهم واعتبارهم عواقب الأمور وخواتيمها؛ وذلك أنهم لما تبين لهم أن الأمور كلها التي تخرج إلى الكون والفساد والوجود والعدم فعلى ما في مقدور الله وسابق علمه لا يكون خلاف ذلك شيء، وزعموا عند ذلك وظنوا أنهم لا يقدرون على شيء من الأفعال التي تظهر على أيديهم، ولا يستطيعون الامتناع عن شيء من ذلك ولا الترك لها بالحقيقة، نسبوها كلها إلى القضاء والقدر. وأما خصماؤهم ومخالفوهم فكان نظرهم واعتبارهم في هذه المسألة الأوامر والنواهي والمدح والذم والوعد والوعيد المتوجهة على الإنسان العاقل المستطيع، ورأوا أنه محجوج بها مزاح العلة فيها، وليس له أن يحتج على أحد لا عند الله ولا عند الناس بالقضاء والقدر، وعلم الله السابق في الكائنات؛ لأنه لا يدري أحد في مبدأ أمره وأول أفعاله قضاء الله وقدره وعلمه السابق، وإنما تبين له ذلك بعد فراغه مما قد فعل أو ترك ما أمر الله به، وهذا النظر نظر أولئك واعتبارهم، قالوا: فلا جرم أن المسألة قائمة بحالها والخلاف باق، والحكومة لم تنفصل، بل كلما ازدادوا فيها نظرا واعتبارا وبحثا وجدالا، ازدادوا خلافا على خلاف إلى يوم القيامة
إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون .
ونشأت الشيعة في الحجاز،
104
وكان بعض الصحابة من أنصار علي بن أبي طالب، ثم شاع مذهبهم في العراق وخالفوا أهل السنة بالإمامة، وخالفوا المعتزلة القائلين بوجوبها على الخلق عقلا، والأشاعرة القائلين بوجوبها على الخلق شرعا، وقال الإمامية منهم: إن خلافة علي منصوص عليها من الرسول، ولا تكون في غير أهل البيت وإن الرسول أوصى لعلي بالخلافة يوم غدير خم،
105