تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نعم كانت الجوامع في الإسلام مدارس دائمة الفيض في تعليم العامة والخاصة، فأصبحت بالمستبدين من السلاطين بؤرة لتلقين الخمول، لا تؤوي إلا الكسول، وكانت قصور الملوك والأمراء ميدانا يتنافس فيه الشعراء والعظماء من العلماء، فيكون من مساجلاتهم وإنشاداتهم عموم النفع في تثقيف الطبقات المختارة، تسري سريعا إلى صفوف الجماعة يتلقفونها ويتدارسونها، فأصبحت مصادر الشهوات والدسائس والمظالم، والكلام فيها لا يعدو قانونا معينا، وفيه كثير من السخف والركاكة. وكانت دواوين الإنشاء في العواصم الإسلامية الكبرى من أعظم دور الأدب في تخريج المنشئين والكاتبين، فأصبحت تتقيد بالمثال الذي يريده صاحب السلطان، وكل من يأتي يستظهره أو ينقله برمته، وقد لا ينطبق على منطق معقول، ولا يوفي بمقصود العصر.

ولولا أن هبت على مصر، معلمة الأقطار العربية، هبة مباركة نحو المعالي، فقام فيها في مفتتح القرن خطباء نبهاء في السياسة المدنية والشرعية، ونشأ في واديها البهيج من الكتاب والشعراء والمؤلفين أناس أعادوا إلى اللغة بعض رونقها، وألبسوها حلة من حلل العلم الحديث مطرزا بآيات فصيح القديم، فنسجت بعض الأقطار العربية الأخرى على منواله، لما شهدنا هذا الفرق المحسوس بين أدب هذا القرن وأدب القرون الستة التي سبقته، وأقل مقارنة بين ما تنتجه مصر اليوم مثلا في جامعتها ومدارسها وأزهرها وصحافتها وطباعتها، وما كانت تنتجه في القرن الماضي، تتجلى بها للناقد البصير الدرجات العالية التي تصل إليها أمة تعمل وتتعلم بفضل حكوماتها وأفرادها، وأمة قضت عليها جهالة سلاطينها ففنيت فيهم، حتى تركوها كالسائمة ترسف في مؤخرة الشعوب، وباعدوا بين حاضرها وغابرها.

والواقع أن مصر كانت ولا تزال المجلية في هذا المضمار، ومشت على آثارها الشام ثم تونس ثم بعض الأقطار العربية، فربط شعراؤها وكتابها ومؤلفوها وخطباؤها حديثهم بقديمهم، وأصبحوا يعدون شيئا بين أرقى أمم الحضارة في الآداب، والآداب أول ما يرقى من المظاهر في الأمة الآخذة بالنهوض. وهذه دور العلم في معظم الأقطار العربية تذكر العرب بأيامهم الغر المحجلة، وبلغاء أساتذتها يعيدون إلى لغتهم نضارتها أيام عزة الأمة، حتى لو عاد رجل إلى الحياة من أهل القرن الماضي وشاهد هذه النهضة الأدبية، لما صدق أن الناس يبرزون في الفضل هذا التبريز، والله أعلم ما سيكون منهم بعد نصف قرن آخر. وقد تشبع بحب اللغة والقومية حتى أضعف طبقات المجتمع، وغدا كل إنسان يشعر بضعفه ويسعى إلى تقوته وكماله.

الفرق الإسلامية

بدأت الاختلافات في الأصول في آخر أيام الصحابة بمقالة معبد الجهني وغيلان الدمشقي ويونس الأسواري، في القول بالقدر وإنكار إضافة الخير والشر إليه، ومذهبهم القول بالقدر خيره وشره من العبد واختياره في أفعاله، وأن الإمامة تصلح في غير قريش، وكل من كان قائما بالكتاب والسنة كان مستحقا لها، ونسج على منوالهم واصل بن عطاء وكان تلميذ الحسن البصري، وتتلمذ له عمرو بن عبيد، واعتزل واصل عنهم فسمي هو وأصحابه المعتزلة، وسمي من جادلهم بالحشوية،

100

والحشوية بمنزلة السفسطائية عند الحكماء؛ لأنهم وضعوا من العقل ما رفع الله من شأنه، وكان يجلس من خالفوا في حلقة الحسن البصري، فلما وجد في كلامهم حشوا، أي كلاما لا فائدة فيه، قال: ردوا هؤلاء إلى حشي الحلقة، أي جانبها، فسماهم الناس حشوية لذلك. وقيل: إنهم منسوبون إلى الحشو بمعنى العامة، والشيعة تطلق اسم العامة على أهل السنة. وقيل: إن المعتزلة سموا بهذا الاسم لاعتزالهم أقوال الأمة. وقيل: لقولهم بأن صاحب الكبيرة اعتزل عن الكافرين والمؤمنين؛ ذلك لأنهم قالوا: إن الفاسق لا مؤمن ولا كافر منزلة بين منزلتين.

قوي أمر المعتزلة وهم أئمة العقل والبحث، وكان بعض الخلفاء يسمع لمقالاتهم ومنهم من كان يريد بهم الشر، ويسومهم سوء العذاب. ولو خلا مذهبهم من عبقة السياسة، ولم يتشددوا في شروط الخلافة لانتشر في الآفاق، ومع هذا سرى إلى الأندلس غربا وإلى خراسان وما وراء خراسان شرقا، وانتشر على عهد المأمون؛ لأنه كان عالما يقول بحرية النظر، معجبا بعلم رجالهم وفضائلهم، وقاومهم المتوكل مراعاة للعامة، وكانوا أبدا كما قال أستاذنا الجزائري

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ١٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ١٧٧