تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا ما كان من أمر الشعر والنثر، وتاريخهما في الجاهلية والإسلام طويل، وتدنيهما أيام الانحطاط إلى حد السخف والهراء أطول. بقي أن نقول كلمة في الخطابة، وكانت العرب في جاهليتها لا تعدم كل قبيلة خطيبها أو خطباءها كما لا تخلو من شاعرها أو شعرائها، ورقيت الخطابة في الإسلام بفضل الرسول وأصحابه والخلفاء وقويت حين نجمت الخصومة السياسية الحزبية بين المسلمين

97

والذي دون من كلام الخطباء وروي من خطبهم، آية البلاغة على وجه الدهر، وجاء الإسلام وصاحبه أخطب أمته، وفي أصحابه من مصاقع الخطباء كالراشدين، ومن قاموا باستصفاء هذا الملك ونشر الدين واللسان في الأمصار، ما هو مفخرة من مفاخر الأمم. وأتى خلفاء الأمويين ومعظمهم خطباء

98

ومنهم من يعد في أرقى طبقات الكتاب، وفي قوادهم وعمالهم نبغ الخطباء الأبيناء، والكتاب الذين لا يشق لهم غبار، وكذلك خلفاء بني هاشم ورجالهم، وكذلك خطباء بني علي وكذلك خطباء الخوارج وخطباء المعتزلة.

ولم يبد الضعف إلا لما أخذوا يوسدون الخلافة إلى الجهلة، فأنشأ هؤلاء ينيبون عنهم في خطب الجمع والمواسم والمجتمعات العامة، وبقدر ما كان يقل اشتراك النبغاء النابهين بأمور الدولة، كان خطباء السياسة يقلون بل يندرون. وعلى نسبة تدني العلم والعمل كان خطباء الجوامع إلى التقليد بعيدين عن المسائل التي تشتد رغبات العاقلين في حلها أو سماع ما يقال فيها، لا يأتون في الأكثر إلا بالساقط من الكلام، والضعيف من المعاني والأحكام، حتى غدوا سبة على البيان، وعدم الانتفاع بخطبهم الملفقة، وأصبح معظم الناس يتجافون عن سماع خطب توجع الرءوس بلا فائدة.

كان القصاص منذ الصدر الأول أشبه بخطباء في الجيوش والمساجد ويوم الحفل، فضعفوا أيضا وضعف بيانهم بضعف العلم وشلل الأدب وفساد السياسة، وقلما جاء قاص أو واعظ أو خطيب يؤثر كلامه بعد أن انحل أمر العرب أو كاد، ودخل الأعاجم يكاثرونهم ويجاذبونهم حبل السلطة، وبقدر ما كانت النفوس تزهد بالعلم، والعجمة تدخل على اللغة وأبنائها، واللسان يفسد بملابسة العرب لمن عداهم من الأمم، كانت الخطابة تتراجع، والبلاغة تستحيل إلى فهاهة، وأخذ خطباء السياسة وخطباء الدين يعمدون إلى إعداد خطبهم، وإذ كانوا ضعافا في صيغ الكلام، جاءت خطبهم مثالا ظاهرا من الضعف والتقعر، ثم انحطوا بعد عصور إلى أكثر من ذلك، فأصبح الخطيب يأخذ كلام غيره، ولا يحسن تلاوته أو التصرف فيه، وتولى خطابة الجوامع

99

العامة ومن في طبقتهم، فغدا نصف خطبهم في الزهد على غير طريقة السلف، والنصف الآخر دعاء يحفظونه لا يخرمون منه كلمة، ثم هم يدعون بأدعية مردودة، ويتعلقون ببيان فضائل الشهور والأيام والبلدان والأماكن والجوامع إلى آخر ما يرددونه من البدع التي ينكرها الشرع، فلا هم يعرفون كيف يعالجون حقائق الحياة، ولا هم ممن استعدوا بالثقافة لبث الأفكار الصحيحة، وتهذيب النفوس على ما ينفعها في المعاش والمعاد.

وبعد أن كان الخطيب أعظم أداة فعالة في قيام أمر الجماعة وسياسة الملك والدولة، وأنفع مدرس يلقي على أهل البلد في الجمعة والعيد والحج كل ما يصلحهم، أصبحت الخطابة من العوامل في صد الناس عن التحلي بالفضائل، تلقنهم الاتكال المذموم، وتعبث بعقولهم فتلقي في القلوب أمورا لا تنفع بل تضر، وتسمعهم مواعظ تخدش الملكات الطبيعية، وتلقي بالأمة في عالم من الخيال لا أثر للعمل فيه، وتسوقها إلى حياة لو جرى الناس فيها على ما يراد منهم لبطل حتى الكدح للمعاش، وفقدت كل دعوة إلى إصلاح وفضل، وآضت دواوين الخطب فجة سخيفة تلوكها ألسن جاهلة، قد لا تصحح حتى الآيات والأحاديث المأثورة، وعلى هذا أمست مطالب الناس في واد، وخطب الخطباء في واد آخر.

وكان من أكبر الدواعي إلى هذا الجمود المميت أن كان من تولوا أمر هذه الأمة في القرون الأخيرة أعاجم جهلة، لا يعرفون غير شهواتهم، ولا يهتمون لتعليم الناس ولا لإصلاح نفوسهم، بل يعدون الجهل ضربا من ضروب الإدارة والسياسة، وغاية ما يتطلبونه من خطباء الجوامع في الأعياد والمواسم أن يشيدوا بذكر الدولة القائمة، ويدعوا لخليفة الوقت ودولته الظالمة بالنصر والتمكين إلى يوم الدين!

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ١٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ١٧٦