تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالشعراء الذين اشتهروا مثلا في عهد الرشيد والمأمون هم الذين مدحوا هذين الخليفتين وخدموا الدعوة العباسية، والشعراء الذين اشتهروا في عهد معاوية وعبد الملك هم الذين تطوعوا في إيراد محامد الأمويين والمروانيين، ونالوا من خصومهم، والشعراء الذين اشتهروا في دولة الأندلس الأموية ثم في الدول الخالفة هم الذين تعلقوا من خدمة سلطانهم بسبب؛ وشعراء الفاطميين وشعراء سيف الدولة، بل شعراء ملوك الطوائف عامة، هم الذين كان سبيلهم سبيل غيرهم في الدفاع عن الحوزة وتبجيل صاحب القوة. وما راج الشعر إلا إلى جانب سلطان يفضل في الجملة على صاحبه، ويستنشده ويعضده ويهتز لمديحه، ويحاذر من سلاطة لسان صاحبه.

وهكذا كان من النثر ولكن على مقياس مصغر؛ لأن النثر لا يتناقل كالشعر، ولا يسهل حفظه، وإن كانت أغراضه أوسع رقعة، والحاجة إليه في التأليف والتصنيف ظاهرة محسوسة، ومع هذا اشتهر الكتاب الذين خدموا الدول أكثر من أقرانهم الذين عزفت نفوسهم عن الخدمة، حاشا أفرادا من المبرزين اشتهروا على بعدهم عن السياسيين، وما كانت شهرتهم تستفيض هذه الاستفاضة أيضا لولا أنه كان في رجال الدولة، بل من الخلفاء أنفسهم، من كانوا يعرفون أقدارهم، ويغدقون عليهم الهبات لتآليف لهم يهدونها إليهم، كلما وضعوا شيئا ويفضلون خصوصا على المبرزين منهم أمثال البلاذري والجاحظ والأصفهاني وابن قتيبة والثعالبي.

وبدأ الشعر ينحط منذ قل في الولاة من يقدره قدره ويثيب عليه. وأخذ النثر في القرن الرابع يتدلى بظهور أناس من الكتاب تعلقوا بالأسجاع، ومن أشهرهم الصابي وابن عباد وابن العميد والخوارزمي وأضرابهم ممن أخرجوا الكتابة عن طريقتها المرسلة التي حصرت في التأليف، وتشبث كتاب الدولة بالسجع ومنه الطبيعي وأكثره متكلف، فاعتور الانحطاط علوم الآداب وما إليها كما اعتور علوم الدين، منذ انقطع في القرن الخامس ظهور كبار الشعراء، وبقي في الشعر ذماء

96

من قوة إلى حوالي القرن السابع، وتدهور بعد ذلك تدهورا عظيما، إلى أن جاءت القرون الأخيرة فأصبح هيكلا من العظم لا دم فيه ولا لحم، وكان ضعف الإنشاء على تلك النسبة، فأمست كتابة المؤلفين ضعيفة معقدة لا رشاقة فيها ولا سلاسة، إذا خرجت عن قوانين السجع والترصيع تفقد جمال الديباجة، وتندر المعاني وينعدم الإبداع. ويستغرب في القرنين الثامن والتاسع ظهور مؤلفين مثل ابن خلدون وابن الخطيب في المغرب والمقريزي والقلقشندي في المشرق يكتبون العربية بهذه الرشاقة وهذا الإبداع، وما كان لهم شيء من لطف الأداء، لو لم يكونوا استقوا مادتهم من فحول الأقدمين، ولو لم ينطووا على علم كثير ومعارف واسعة.

أصبح الأدب في عهده الأخير عبارة عن شعر مبتذل ركيك، واستحال إلى أماديح لا غرض منها إلا الكذب على الممدوحين لتلقف هباتهم، أو غزل فج لا يعدو غزل كل عصر بمعناه، وهو ساقط مبتذل، وللنثر أساليب منقولة، وألفاظ مدخولة، وجماعه جناسات واستعارات، أفسدت اللغة بهذا البديع المريع، ولو أردت أن تنقل إلى لغة أخرى ما كتبه أكثر المسجعين لاقتضى لك على الأقل أن تحذف نصف جمله ومترادفاته المكررة، هذا إذا لم يكن المعنى المراد أداؤه تافها في ذاته، ولا يطالعك شاعر بصورة من صور عصره إلا إذا كان مما أخذ فيه بحظ وافر من التكلف والتعسف، خلافا لما نرى مثلا في بعض شعراء عصرنا ممن إذا قرأت شعرهم تتجلى لك منه روح العصر أو أكثره.

ولم يأت أحد بعد القرن التاسع في هذا الشرق العربي بضرب من الأدب يخلد صاحبه، وينتفع به على غابر الأيام، أو بتأليف طريف لا يستغني عنه جمهور الناس، ويعد ضياعه ثلمة في بنيان التآليف العربية، وإذا كتب لأحدهم الولوع بالأدب فيكون ذلك عن باعث نفسي فقط يتزين به صاحبه بين الملأ ويتجمل بطرائفه أمام الأقران والجيران. وضاق المحيط على الشاعر والكاتب فأصبح ابن اليمن منعزلا عن البشر يتوهم أن أفق العالم ينتهي ببلده، وابن الشام لا يعرف شيئا يذكر عن ابن بغداد، وابن أصفهان ونيسابور لا يبلغه عن ابن سمرقند إلا أخبار متقطعة في السنين الطويلة، بل ابن فسطاط مصر لا يعرف من أخبار ريفها إلا ما لا بال له، وابن فاس لا صلة له بابن الجزائر، وابن القيروان لا يكاد يعرف أمرا عن ابن برقة، إلا كما نعرف عن بلاد واق الواق. وصعب الارتحال على الناس لفتور هممهم في كل شيء، واكتفى كل قوم بما وقع تحت أنظارهم من الأفكار، وكانت الحكومات من أهم العوامل في هذا التباعد والجهل.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ١٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ١٧٥