90
عن نفس ديننا، فضلا عن أن يملكوا علينا دنيانا ... والمسلم الجامد لا يدري أنه بهذا المشرب يسعى في بوار ملته، وحطها عن درجة الأمم الأخرى، ولا ينتبه لشيء من المصائب التي جرها على قومه إهمالهم للعلوم الكونية حتى أصبحوا بهذا الفقر الذي هم فيه، وصاروا عيالا على أعدائهم الذين لا يرقبون فيهم إلا
91
ولا ذمة؛ فهو إذا نظر إلى هذه الحالة عللها بالقضاء والقدر بادئ الرأي، وهذا شأن جميع الكسالى في الدنيا يحيلون على الأقدار.» ا.ه.
وأقوى الأسباب في هذا الجمود الذي أدى إلى فناء العلم والصنائع كون العلوم التي تقوي ملكة العقل، وتعين على نجاح الصنائع وجلب الثروة، قد بطلت جملة واحدة بعد القرن العاشر، وأصبحت العلوم الطبيعية والرياضية والتاريخية من علوم الكفر، لا يدرسها إلا من يهون عليه بزعم المتعصبين أن ينحل من معتقداته ومقدساته، وغدا ينظر إلى من كان له إلمام خفيف بفرع من فروعها كأنه بعض المتهوسين
92
والقصاصين، بل القصاصون أرفع مقاما من المؤرخين،
93
وربما اعتبر المجاذيب والحشاشون والطبالون والمؤذنون أكثر من المهندسين والمتطببين والمؤرخين والفلكيين والجغرافيين، وجاء عصر المتجرئين على الفتيا يقولون بتحريم هذه العلوم وكانت تقرأ في مدارس المسلمين منذ القرن الثالث إلى التاسع في جملة العلوم التي لها مساس بالشرع.
هذا إلى ما هنالك من انتشار الفوضى العقلية بين المسلمين
94 «وتحت حماية الجهلة من ساستهم فجاء قوم ظنوا في أنفسهم ما لم يعترف به العلم لهم فوضعوا ما لم يعد في الإسلام قبل باحتماله، غير أنهم وجدوا من نقص المعارف أنصارا، ومن البعد عن ينابيع الدين أعوانا، فشردوا بالعقول عن مواطنها، وتحكموا في التضليل والتكفير، وغلوا في ذلك حتى قلدوا بعض من سبق من الأمم في دعوى العداوة بين العلم والدين، وقالوا لما تصف ألسنتهم الكذب هذا حلال وهذا حرام.»
الفلسفة علم الخاصة وإضعاف أمرها إضعاف للعقول المفكرة في الأمة
95 «ولطالما قال القائلون: إن قليلا من الفلسفة يبعد عن الدين وإن كثيرا منها يعيد إلى حظيرته. وهذه الكلمة لا تخلو من غموض، فيها إشارة إلى قدرة العقل الإنساني وإلى ضعفه وعجزه، ولها نتائج أخرى غير التي يراد إلصاقها بها؛ إذ من البديهي أن جمهور الناس لا يكونون فلاسفة، فهم بين حالين إما أن يتذوقوها قليلا وإما أن يبتعدوا عن الأخذ بمذاهبها جملة، ولئن سدت الذريعة دون كل فلسفة تتسرب إلى آراء الجمهور، فإنه مما لا مناص منه أن تأثير المعتقدات الدينية يضعف إذا كان الناس على استعداد لذلك، أو كانوا يدعون أن أفكارهم تحسن فهم الفلسفة أو يظهرون أن الأوهام لا سلطان لها على عقولهم فيجادلون في المعتقدات والتكاليف، ويروون من الأفكار ما لا ينطبق على عقولهم ولا يخرج عن حدود الطبيعة، وفي هذه الحال لا يحول دون سراية الأفكار الفلسفية غير سيطرة المجتمع، فهو أكبر ضامن للقضاء على ما لا يصح من الحقائق، وهذا أفضل من اللجوء إلى المحاكمات والتعذيب في السجون والمطابق بما لا يقبل الجدل.»
الآداب: الشعر والنثر والخطابة
كان الأدب العربي يرتقي ويتدنى بفعل الحكومات، وعلى مقدار أخذها بأيدي الشعراء والكتاب، فالشاعر المشهور في الدولة الأموية هو الذي خاض في مسائل سياسية، ودعا إلى عصبية، ومدح بعض القائمين بالأمر أو قدح فيهم، وفاخر بقومه وملته، والموفقون للخلفاء يلقون منهم أبدا معاضدة ورفدا، والشعراء أدوات دعاية للعظماء والزعماء، وعلى هذا جرى الشعر في دولة بني العباس ولا يكاد يشتهر فيها إلا من لابس الكبراء، وتقرب من قلوب الخلفاء والأمراء، بهذه الضروب من الشعر، وأهمها في نظرهم المديح والهجاء، وكان الشعراء منذ عهد الراشدين بل منذ عهد صاحب الشريعة يدعون إلى قول الشعر بما يخدمون به الدعوة الدينية أولا ثم الدعوة السياسية، ومنذ عهد حسان وأغراض الشعر تدور على صاحب السلطان إلى أن تأذن الله بانقراض الدول العربية، وتولى أمر العرب ملوك من الأعاجم لا يفهمون الكلام العربي، فضلا عن أن يقيموا للبلاغة وزنا.