84
بيوتهم أو يعتصموا بالتقية المذلة، وكانوا بين خوف العامة، وعلى رءوسهم بعض أولئك المتعصبة يهيجون أرواحهم، وخوف السلاطين ومعهم أسواط العذاب يسوطون بها ويصولون، وكلما اشتدت نقمتهم على العلماء صفق السواد الأعظم سرورا، ولما يعرفوا السبب في تصفيقهم، والجمهور مجنون كما قيل.
وما يدرينا أنه جاء في الأمة رجال كتموا شيئا من الحقائق مخافة أن يعرفوا بها فيهلكوا، وبذلك حقنوا دماءهم، واتقوا تقاة أنجتهم من تسلط العتاة الطغاة، والملحوظ أنه ضاعت أخبار كثير من هذا القبيل؛ لأن من دونوا استصغروا على ما يظهر شأن ما وقع في هذا الباب فأغفلوه، إهمالا أو تقية ومتاقاة، وتجافى كثير من أرباب الأفكار المستنيرة عن تدوين ما وقع في نفوسهم، أو وقع لهم من المشاكل والمشاغب، خشية أن تسقط مدوناتهم في أيدي أعدائهم فتكون حجة في الخلاص منهم.
وربما لا يخطئ من يدعي أنه خرق النظام القريب المأخذ، وشعبوا منه ما لم يكن لأحد من أهل القرنين الأولين عهد بمثله، تساهلوا في إدخال ما يضر أو ما لا يضر ولا ينفع، وضيقوا الخناق على الفكر، ورموا إليه بالتافهات يشغلونه بها، ومنعوا عنه الطيبات، وتحكموا في القرائح فأخرجوها عما وضعت له، فتقلقلت أو جمدت، والجمود هو الموت بعينه، وقفت الأذهان بالجهل والتعصب، فجنى الجهلة على الدين والدنيا، ذلك لأنهم نظروا إلى كل أمر بمنظار الدين، ولم يتركوا الدنيا تسير بما هو أصلح لها، ولطالما كانوا لا يرضيهم إلا إهلاك من خالفوهم تقربا إلى الله ووسيلة.
وقف الجامد عند الحد الذي تصور فيه السلامة، وآلى أن لا يتقدم إلى الأمام؛ لأن قريحته خانته، وأظلم طريقه، وما كان وقوفه تراجعا بل فناء، ووقف الجاحد عند حد إنكار كل ما لا ينطبق على رأيه وعقله، من دون روية ولا درس، وكان الاثنان بين جاهل وأجهل: الأول قضى على الدنيا، والثاني قضى على الدين. جاءت طائفة من الجاحدين تقول: إن النجوم ناطقة مدبرة وكذلك الفلك، ورأت أن إنكار كل شيء في الدين أسهل عليها فأنكرت، وجاءت طائفة من الجامدين تدعي أن الأرض على حوت، والحوت على قرن ثور، والثور على صخرة، والصخرة على عاتق ملك، والملك على الظلمة، والظلمة على ما لا يعلمه إلا الله، فأي جمود أكثر من هذا وجحود أبشع من ذاك؟!
وما أجمل ما قال محمد عبده: «لم أر كالإسلام دينا حفظ أصله، وخلط فيه أهله، ولا مثله سلطانا تفرق عنه جنده، وخفر عهده، وكفر وعيده ووعده، وخفي على الغافلين قصده، وإن وضح للناظرين رشده، أكل الزمان أهله الأولين، وأدال منهم خشارة
85
من الآخرين، لا هم فهموه فأقاموه، ولا هم رحموه فتركوه، سواسية
86
من الناس اتصلوا به، ووصلوا سببهم بسببه، وقالوا: نحن أهله وعشيرته، وحماته وعصبته، وهم ليسوا منه في شيء إلا كما يكون الجهل من العلم، والطيش من الحلم، وأفن
87
الرأي من صحة الحكم.» ا.ه.
ضاع العلم بين جامد في دينه، وجاحد في يقينه، وكان طالع الفلسفة النحس؛ لأن أصحابها كانوا أبدا بين نارين: نار الملوك ومعهم السلطات كلها، ونار رجال الدين وسلطانهم. ووقر
88
في نفوس المسلمين، كما كان النصارى في بعض عصورهم، أن السلامة في ترك الفكر، والأخذ بالتسليم والاستسلام للأمر الواقع، وسرت إلى الناس قاعدة «الجهالة أم التقوى»، وكان بعضهم يتشدق ويقول: «اللهم إيمانا كإيمان العجائز.» وتغير الزمان وارتقت العقول، وهجمت المدنية الغربية على الإسلام، وذاك الجامد ما زال على جموده يمهد
89
لأعداء المدنية الإسلامية الطريق لمحاربة هذه المدنية، محتجين بأن التأخر الذي عليه العالم الإسلامي إنما هو ثمرة تعاليمه، والجامد هو سبب الفقر الذي ابتلي به المسلمون؛ لأنه جعل الإسلام دين آخرة فقط، والحال أن الإسلام هو دين دنيا وآخرة، وأن هذه مزية له على سائر الأديان، فلا حصر كسب الإنسان فيما يعود للحياة التي وراء هذه، كما هي ديانات أهل الهند والصين، ولا زهد في مال الدنيا وملكها ومجدها كتعاليم الإنجيل، ولا حصر سعيه في أمور هذه المعيشة الدنيوية كما هي مدنية أوروبا الحاضرة. «والجامد هو الذي شهر الحرب على العلوم الطبيعية والرياضية والفلسفية وفنونها وصناعاتها، بحجة أنها من علوم الكفار فحرم الإسلام ثمرات هذه العلوم، وأورث أبناءه الفقر الذي هم فيه وقص أجنحتهم، فإن العلوم الطبيعية هي العلوم الباحثة في الأرض، والأرض لا تخرج أفلاذها إلا لمن يبحث فيها، فإن كنا طول العمر لا نتكلم إلا فيما هو عائد للآخرة قالت لنا الأرض: اذهبوا توا إلى الآخرة فليس لكم نصيب مني، ثم إننا بحصر كل مجهوداتنا في هذه العلوم والمحاضرات الأخروية، جعلنا أنفسنا بمركز ضعيف بإزاء سائر الأمم التي توجهت إلى الأرض، وهؤلاء لم يزالوا يعملون في الأرض، ونحن ننحط في الأرض إلى أن صار الأمر كله في يدهم، وصاروا يقدرون أن يأفكونا