تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

78

في دينهم من المتصوفة؛ لأن عددهم كثير وجمهرة العامة منهم، وقد اتخذهم بعض الملوك قوة الظهر لهم، والجميع على طلب رضاهم والبعد عن غضبهم. وعلى قدر ما كانت مخالب أرباب القوة تستطيع أن تنشب في العزل

79

إلا من سلاح عقولهم، كنت ترى إرهاق الحرية وإزهاق أرواح دعاتها يشتد بعد المائة الثامنة، ولا نعرف فيما وقفنا عليه أنه جاء فيلسوف يذكر بعد هذا القرن، وأشبهت الأسباب التي دعت إلى اضمحلال الفلسفة في الأقطار العربية أسباب اضمحلالها في مختلف الأقطار والأمصار،

80

فقد اضطهدت الفلسفة في أثينا بسبب الشهوات السياسية والعصبيات الحزبية التي كثيرا ما تصبغ بصبغة دينية، وعفت آثار الفلسفة من بلاد اليونان كلها عندما رقت حالهم وفقدوا استقلالهم باستيلاء الرومان على بلادهم، على نحو ما كان من ذلك في الأقطار العربية، وقد التصق بالفلسفة أناس ليسوا من أهلها من الزنادقة الظاهرين بالإلحاد والكفر، المستهترين

81

بما يأتون من المنكرات تحت ظل حرية التفكير السامي، والفلسفة بريئة من كل منكر.

يقول رنان: لما تغلب علماء التوحيد في الملة الإسلامية وأصبحت لهم منذ سنة 1200م السيادة الكلية، هجرت الفلسفة في البلاد الإسلامية، وأصبح المؤرخون والكتاب لا يذكرونها إلا من قبيل الذكرى بشيء من النفرة، ورأينا بعد ذلك كتب الفلسفة تنعدم وتندر والحظر يتناول تعليم علم الفلك إلا بقدر الضرورة لمعرفة اتجاه القبلة، وجاء الأتراك واستولوا على بلاد الإسلام وغلبت عليهم طبائعهم فأطفأوا نور الفلسفة والعلوم جملة، وفي عهدهم انخفض لواء العلم والحكمة، ولم ينبغ في الإسلام عالم ذو فكرة وقادة إلا نادرا مثل ابن خلدون. ا.ه.

تم للمتجرين بالدين ما أرادوا من سد منافذ العقل وأبواب النظر، وقل في هذه العصور المظلمة من تاريخ الإسلام من يعد في المميزين المفكرين، وبطلت علوم الحكمة جملة، وصار من يتعاطاها بغيضا إلى المسيطرين على الأفكار كأنه أتى أمرا إدا

82

وخان دينه وملته، وذلك في العصر الذي بطل فيه النظر في الأصول، وتحتم على كل عقل أن لا ينظر في غير الفروع مما أملته خواطر المتأخرين، اعتبر ذلك بما تتلوه في تراجم أعيان العلماء في هذه القرون، فإنك لا ترى أعمالهم تتعدى الأقوال والآراء التي لاكتها الألسن، يقدس أهل كل جيل قول من سلفهم ولو بأعوام قليلة، ولا تكاد تجد لهم تأليفا فيه نور العقل والبحث، والخلاص من التقليد والجمود، وراح الفقهي يكفر الفلسفي، والصوفي ينقم على الحديثي، والأصولي يحمل على الفروعي، واشتغل أهل كل قطر بل أهل كل مصر بتقديس من تواطأوا على تقديسهم، والطعن على من عداهم، وامتزجت علوم الدين بالمشاغبات والمماحكات، وتفاحش الاختلاف بين الشريعة أمس واليوم، أو بين ما يطبق منها وما بقي في النظريات، حتى كادت بانتشار أطرافها يصعب الجمع بين أجزائها كما يصعب الجمع بين النقيضين.

قال أحد علماء الملة: الشريعة طب المرضى، والفلسفة طب الأصحاء، والأطباء يطبون للمرضى حتى لا يتزايد مرضهم، وحتى يزول المرض بالعافية فقط، وأما الفلاسفة فإنهم يحفظون الصحة على أصحابها حتى لا يعتريهم مرض أصلا، فبين من يدبر المريض وبين من يدبر الصحيح فرق ظاهر وأمر مكشوف.

أصبح الناس بعد المائة السادسة تفتر هممهم شيئا فشيئا في طلب العلم، ورغبوا عن الافتنان بفنونه، وحصروا نطاقه وعفوا بعض معالمه فأصبحت مجاهل، وكثرت البدع وكثر الدعاة إليها، والتعويل عليها،

83

وأشبه طالب الحق في تلك العصور طلابه في أيام الفترة وهم سلمان الفارسي وزيد بن عمرو بن نفيل وأضرابهما «وإن نشأة الإنسان على ما عليه أهل شارعه وبلده وجيرانه وأترابه صنيع أسقط الناس همة وأدناهم مرتبة.» وكان عمل من انحصر فيهم الدفاع عن حوزة الدين ضارا ونافعا، قاتلوا الخارجين على الإسلام ومن انتحلوا نحلا جديدة، فوحدوا الكلمة في الجملة، وأنزلوا الضرر بكل من خالفهم ولو قليلا في أفكارهم، هذا وهو لم يمس الجوهر، وربما كان ظاهر سعيه لتأييد هذا الجوهر، وراحوا يطلقون ألفاظ التبديع والتكفير على خاصة العلماء ممن لم يكونوا قرءوا كلامهم، أو إذا قرءوه لا يفهمون أسراره، فاضطر كثير من العارفين الأذكياء إلى أن يقبعوا في كسر

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ١٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ١٧٢