تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

75

أواخر القرن الرابع، ومنهم يحيى بن عدي والبوشجاني والمقدسي والعروضي والقومسي وعيسى بن ثقيف الرومي وابن مقداد وأبو القاسم الأنطاكي وكان يعرف بالمجتبى وأبو محمد الأندلسي النحوي وأبو إسحاق الصابي والخوارزمي الكاتب ووهب بن يعيش الرقي وابن سوار وماني المجوسي وأبو الحسن محمد بن يوسف العامري وعبيد الكاتب، وغيرهم «من كل من هو واحد في شأنه وفرد في صناعته»، وكان فيهم المجوسي والصابي واليعقوبي والنسطوري والملحد والمعتزلي والشافعي والشيعي، ولم تصل إليهم يد السلطنة الزمنية لاتصالهم على ما يظهر بالأمراء، وكانوا فئة راقية وجمعيتهم أشبه بمجمع علمي، وربما كان بعض المتعصبة ينظرون إليهم شزرا،

76

وودوا لو يماشيهم رجال الدولة ليناقشوهم الحساب بالحق والباطل.

لا جرم أن بغداد كانت منذ أواسط القرن الثاني إلى أواخر القرن الخامس ميدان الأفكار الجديدة، كما كانت البصرة كذلك منذ القرن الأول، يقصدها العلماء من القاصية ويتألفون ويتذاكرون صنوف العلم ويتفاوضون الحكمة، وكانت دار السلام مدة ثلاثة قرون سرة العالم، ومبعث الحركات الفكرية، ومباءة العلم الوحيدة، بل حاضرة الثروة والرفاهية والمدنية، هان فيها على العلماء أن يوحدوا مقاصدهم، وينظموا صفوفهم، ويتناغوا بعلومهم وآدابهم، ويرى معظمهم من الخلفاء تنشيطا ومسامحة تقل وتكثر تبعا لعلم صاحب الشأن، ومبلغه ومبلغ رجاله من العقل.

وإذا قسنا حرية بني العباس في معنى السماح للفلسفة بحرية ملوك الطوائف والمرابطين والموحدين في الأندلس، نجد العباسيين أرقى كعبا من منافسيهم في الغرب، حاشا عهد الحكم المستنصر بالله الأموي الذي خدم هذا العلم، لما جمع للعلماء من كتبه، وأخذ بأيديهم وأطلق لهم العنان يعملون، وربما كان من ملوك الأندلس من يحبون الفلسفة سرا ويظهرون خلاف ما يضمرون تقربا من الجمهور، وكانت الفلسفة في القرن الخامس في الأندلس علما ممقوتا لا يستطيع صاحبه إظهاره كما قال ابن حزم، ومع هذا نبغ هناك عشرات من الفلاسفة أمثال ابن زهر وابن طفيل وابن رشد وابن باجة وابن الصائغ وأشباههم، كما نشأ في المشرق أمثال الرازي وابن سينا والفارابي والبيروني، وكان هوى ملوك الأندلس بعد دولة بني أمية مع العامة، وهؤلاء يسيطر عليهم المتفقهة، والملوك يفادون بالفلاسفة لإرضاء العامة، هذا إذا لم يدس بعض الملوك على الفلاسفة، ويشوقوا العامة إلى النيل منهم ليفترصوها

77

حجة في تشريدهم، ويشتدوا في التضييق على الفلاسفة، إذا شعروا أنهم غير راضين عن الدولة الحاضرة. ومن الفلاسفة من هام على وجهه لا يلوي على شيء، ومنهم من لزم بيته أو مسجده، ومنهم من تظاهر بالجنون كما فعل ابن الهيثم الرياضي مع الحاكم بأمر الله.

واشتدت الحكومات في القرن السادس في مطاردة علوم الحكمة، ولم يكن في الدولتين النورية والصلاحية سلطان لغير حملة الشريعة، وحرم ابن الصلاح في المائة السابعة المنطق والفلسفة، ولم يمكن أحدا في دمشق من قراءة كتبهما. وقال المؤرخون: إن الملوك كانوا يطيعونه في ذلك، وابن الصلاح هو الملقب بتقي الدين وهو غير نجم الدين أبي الفتوح أحمد المتوفى سنة نيف وأربعين وخمسمائة وكان هذا فيلسوفا طبيبا، ولما ولي الأشرف موسى نادى في مدارس دمشق من ذكر غير التفسير والحديث والفقه أو تعرض لكلام الفلاسفة نفيته، وهذا كان في أوائل القرن السابع. وقال الذهبي في القرن الثامن: «إن الفلسفة الإلهية ما ينظر فيها من يرجى فلاحه، ولا يركن إلى اعتقادها من يلوح نجاحه، فإن هذا العلم في شق وما جاءت به الرسل في شق، وما دواء هذه العلوم وعلمائها والقائمين بها علما وعملا إلا التحريق والإعدام من الوجود؛ إذ الدين ما زال كاملا حتى عربت هذه الكتب ونظر فيها المسلمون، فلو أعدمت لكان فتحا مبينا.» وهذا كلام الفقيه المتعصب، واشتد المتفقهة في إرهاق من علم الفلسفة، لكنهم لم يرهقوا المرهقين

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ١٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ١٧١