ولكن الفلاسفة مع هذا ظهروا على ما عاداهم بقوة علمهم وقوة بصيرتهم، ونشروا تعاليمهم بالقدر الذي ينفع في إنارة العقول وثقافة الجمهور وعمارة البلاد، وغلط بعض من اشتغلوا بالفلسفة أن استخدموا بعض فروعها في تأييد العقائد فاتخذوها سلاحا في علم الكلام يقوون به برهانهم، ومزجوا الإلهيات بالفلسفيات، فكان في ذلك ضرر على الكلام وعلى الفلسفة معا. ولما زج بعض علماء الفلسفة
69
أنفسهم «في المجادلات الدينية التي أثارها من ادعى الإسلام من شيع الفرس والأعاجم، وحملهم الجدل ولدد
70
العناد على الخلط بين العقائد الدينية وما لا ينطبق على أصول النظر، انبرى لهم من بين الجماعة من أدحض لهم بعض قضاياهم، وخاف الخلفاء شر الفتن فأمسكوا عليهم حريتهم، وسقطوا في هاوية كانت خاتمة أمرهم في الإسلام. ولولا ذلك ما وقف أمام العلم والصناعة متعنت، ولا وقفت الحضارة الإسلامية عند حد محدود.» هذا، والإسلام
71
أول دين خاطب العقل ودعاه إلى النظر في أسرار هذا الخلق العظيم من حيوان ونبات وجماد، ورفع القرآن من شأن العقل فأطلق العنان للفكر ما شاءت قوته عظة واستدلالا، وما قولك في دين يقول أئمته بترجيح العقل على ظاهر الشرع عند التعارض، والدين طريق القلب والعواطف، والفلسفة طريقها العلم والنظر.
اشتغل الفلاسفة في الإسلام بشيء من التقية في فلسفتهم، حتى عندما كانوا يرون من حماية بعض الخلفاء لهم ما ينشطهم على ما هم فيه، كعهد المأمون الذي اضطهد أعداء الفلاسفة، وقضى بعض أرباب الشهرة في سجنه الشهور أو السنين؛ لأنهم كانوا يعادون الفلسفة ظنا منهم أن منها ما يعدو على الدين فيفسده، واعتقد المأمون بخلق القرآن
72
فوضع هذا المبحث موضع المناقشة بين العلماء، فقال السواد الأعظم بقوله، وأبى بعضهم تورعا أن يوافق على أن القرآن مخلوق، فطلب أن يمتحن القضاة والمحدثون لكشفهم عما يعتقدون في هذه المسألة، وأن يكتب إلى الآفاق بذلك، فوافق أكثر الممتحنين، وهرب أفراد وحاولوا التملص، فأحدث هذا الرأي ضجة في الأمة شأن كل فكر جديد، وأوذي بعضهم، وما كان المأمون يريد أذاهم، أراد تحكيم العقل فاتخذ أعداؤه من ذلك حجة للطعن عليه وسموا ذلك المحنة. على أن بعض المتأخرين من خلفاء بني أمية في أول القرن الثاني كانوا يرون رأيه لكن شغلتهم عن الجهر بما اعتقدوا على ما يظهر مسائل أهم من هذه، وهي مسائل الملك والخلافة.
وعلى ما تخلل تلك المحنة من الثورة على الفلسفة رأينا عقلاء منهم في أواسط القرن الرابع كالبستي والزنجاني والمهرجاني والعوفي وزيد بن رفاعة يؤلفون في البصرة جماعة إخوان الصفا ويضعون رسائلهم المشهورة، يودعونها آراءهم، ومذهبهم خلاصة أقوال الفلاسفة الإسلاميين في عصرهم بعد أن أخذوا الفلسفة عن اليونان والفرس والهند وعدلوها، وقالوا:
73
إن الشريعة قد دنست بالجهالات، واختلطت بالضلالات فلا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة؛ لأنها حاوية للحكمة الاعتقادية والمصلحة الاجتهادية. وزعموا أنه متى انتظمت الفلسفة اليونانية والشريعة العربية فقد حصل الكمال، وستر إخوان الصفا أمرهم وأخفوه عن الشمس والقمر، مخافة أن يحل بهم ما يعوقهم، ويقطع عليهم طريقهم، وكانوا في الغاية أدبا وعلما وذكاء، وكان زيد بن رفاعة أحد رجالهم من أذكى علماء العالم، وهو والخليل بن أحمد وأبو الأسود الدؤلي من أفراد الدنيا في تلك الأيام.
بل شهدنا صورة من الحرية في القرن الثاني من أدهش ما دون، شهدنا عشرة في البصرة يجتمعون في مجلس لا يعرف مثلهم على ما قال خلف بن المثنى:
74
الخليل بن أحمد صاحب العروض سني، والسيد محمد الحميري الشاعر رافضي، وصالح بن عبد القدوس ثنوي، وسفيان بن مجاشع صفري، وبشار بن برد خليع ماجن، وحماد عجرد زنديق، وابن رأس الجالوت شاعر يهودي، وابن نظير النصراني متكلم، وعمر بن أخت المؤيد مجوسي، وابن سنان الحراني الشاعر صابئ، فيتناشدون أشعارا وأخبارا، ويتآلفون كما كان يتآلف في بغداد جماعة أبي سليمان المنطقي محمد بن طاهر السجستاني، الذين قيد كلامهم أبو حيان التوحيدي في كتاب المقابسات