تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يقول مارتان هارتمان، من علماء المشرقيات الألمان: إن الطرق الدينية في الإسلام تختلف عن الطرق الدينية في النصرانية؛ لأن لها تأثيرا سيئا، وإن ما يظهر من أمرها يفسد الدين ويقلل من اعتباره، فأهل الطرق البكتاشية والملامتية والمولوية والنقشبندية والقادرية على اختلاف أسمائهم هم خطر على الأمة مهما كانت مكانتهم. ويقول بعض كبار رجال الطرق المنتشرة في إفريقية: إن الطرق أداة من أدوات التهذيب الديني يعاد بواسطتها إلى حظيرة الدين كل من انسلخوا منه أو كادوا، وإن مظاهر تلك الطرق تستميل قلوب العامة. والواقع أن من الطرق في إفريقية ما نفع في هداية العامة خصوصا ما كان منها يحث المتلبسين بها على العمل، ومن الطرق ما وقف عثرة في حلوق المبشرين بالأديان الأخرى.

وبعد فقد وقف بعض رجال الشريعة موقف المخاصم للمتصوفة؛ لخروج بعضهم على قواعد الملة، ولأنهم حرفوا ألفاظ الشرع عن ظواهرها المفهومة إلى أمور باطنة لا يسبق منها إلى الأفهام فائدة، كدأب الباطنية في التأويلات، مما توصلوا به إلى هدم جميع الشريعة بتأويل ظواهرها وتنزيلها على رأيهم «فأصبح كل ما ارتضاه السلف من العلوم قد اندرس، وما أكب الناس عليه فأكثره مبتدع محدث» كما قال الغزالي. وتخلق الأمة بما يخالف دينها وعاداتها مضر بها وبمن يتولى أمرها، وقد تنحط بذلك إلى أدنى دركات الفساد، ويكثر فيها المكر والخديعة والكذب والإباحة والظلم، على ما قال العارفون.

هذا هو التصوف في أصله وما انتهى إليه حاله عند المتأخرين ممن لا يفقهون معناه، وإذا دخل فيه زيف

65

كثير فقد دخل أيضا على علماء الظاهر خلل غير قليل، وما دام هذا العلم منبعثا عن أمور روحية تحتاج إلى ذوق لا يؤاخذ أرباب الأصول منه بما فعل أرباب الفروع ممن لم يتذوقوا هذا الفن، وجعلوه آلة يتصرفون بها على أهوائهم، ويتكسبون به وما يحتقبون

66

إلا ضعف العقول والتأكل بالفضول.

الفلسفة في الإسلام

بينا كان رجال الدين من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين والمتصوفين يتباحثون ويتناقشون وينحي بعضهم على بعض، كانت تترجم منذ عصر المنصور كتب الحكمة والفلسفة بهمة غريبة، وما مضى القرن الثالث حتى كان العرب ترجموا كتب السريان واليونان والهند وفارس، فدرسها بعض علماء المسلمين والعرب وأخذوا في شرحها والتعليق عليها وإظهار غوامضها، فبدأ الفلاسفة يظهرون بظهور هذه العلوم الطارئة على الملة، والفلسفة هي علم حقائق الأشياء والعمل بما هو أصلح

67

هكذا عرفها القدماء، وعرفها المحدثون بأنها علم المبادئ والعلل والبحث عن العموميات العالية للكائنات والبحث في النفس والعالم وخالق الموجودات من طريق النظر الفكري، وكان يدخل في الفلسفة علم الطبيعة والأمور الإلهية والتعليمية والرياضية، ويدخل في العلم الطبيعي الطب والآثار العلوية والمعادن والنبات والحيوان والكيمياء وفي العلم التعليمي علم النجوم والموسيقى.

كانت الفلسفة في القرن الثاني معروفة للباحثين، ولا سيما لمن تعلموا في مدرسة حران وفي مدرسة جنديسابور من الصابئة والمانية واليعاقبة وغيرهم ولكن لم تنبعث شعلتها إلا في القرن الثالث، فسقط فيها بعض رجال الدين من المحدثين والفقهاء على أمور أنكروها، فقاوموها وما قاوموا في الحقيقة إلا ما جهلوا. ومن سوء بخت الفلاسفة أن كانوا فئة قليلة في كل بقعة إسلامية، وكان خصومهم كثرة في كل أرض؛ ولذا استضعفوهم في الفترات وأنحوا عليهم، وحاول هذا الكثير أن يقضي على ذاك اليسير وقد يكون الحق في جانب هذا القليل، كانت مع القوي المادة والسلطة والعوام

68

أتباع كل ناعق، أو من كان مذهبهم مذهب إمامهم يعتقدون صوابه وأن ما عداه باطل، ويوهمهم أنهم وصاحبه الناجون وغيرهم في النار مخلد أو معذب، وليس من الفئة القليلة من الخواص سوى أسلات أقلامهم ونبرات ألسنتهم، وثقوب أذهانهم، ونفوذ بصائرهم وأبصارهم، وكانوا على كثير من الحق، وكان منازعوهم على شيء من الباطل، وكانت عاقبة هذه الحرب التي شبت قرونا نكبة العلم، وإفلاس العقل، وشل حركة البحث والنظر.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ١٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ١٦٩