وقال: إن هؤلاء، أي أصحاب الطرق المحدثة، لم يشموا من أوصاف الفضلاء رائحة فأخذوا بالتشبه بهم فأبرز لهم هواهم التشبه بالخوارج، ويا ليتهم وقفوا عند هذا الحد المذموم ولكن زادوا على ذلك الرقص والزمر والدوران والضرب على الصدور وبعضهم يضرب على رأسه وما أشبه ذلك من العمل المضحك للحمقى لكونه من أعمال الصبيان والمجانين، المبكي للعقلاء رحمة لهم، إذ لم يتخذ مثل هذا طريقا إلى الله وتشبها بالصالحين. ويقول ابن الجوزي:
63
تأملت أحوال الصوفية والزهاد فوجدت أكثرها منحرفا عن الشريعة بين جهل بالشرع وابتداع بالرأي، يستدلون بآيات لا يفهمون معناها وبأحاديث لها أسباب وجمهورها لا يثبت إلخ.
وما كان المتصوفون الأولون يعرفون مصطلحات المتأخرين من المتصوفين؛ لأنها من اختراعات المحدثين منهم، مزجت بشيء من الزندقة والفلسفة اليونانية فخرجت بها الشريعة عن سذاجتها ويسرها، وكان الاعتقاد السليم مهمازا للمؤمنين يحفزهم إلى العمل لما كانت الشريعة خالية من تأويلات تأباها نصوصها ولا تنطبق على روحها، وغلا القوم في هذا المعنى حتى خرجوا في بعض أوضاعهم ومعتقداتهم عن كنه الشريعة السمحة على ما حقق المحققون في كل عصر، ومن أهمهم في القرن السادس أبو الفرج بن الجوزي، فقد ذكر في كتابه «تلبيس إبليس» ما جناه علم التصوف ومن انتحلوه على الإسلام والمسلمين، ومن أهمهم في القرن الثامن ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية، فقد حملت كتبهما فصولا كثيرة في نقد حال من افتاتوا على الشرع وعبثوا ببهائه.
ومن الغريب أن المتلبسين باسم التصوف على مخالفتهم الظاهرة للشرع، كادوا يسلمون من اضطهاد الدول، ولم يذكر سوى مرات قليلة أن أخذوا بما اجترحوا أو عوتبوا على زندقتهم، وممن يدعون الانتساب إلى التصوف في البلاد التي لم يبق منها في العهد الأخير من الإسلام إلا رسومه، أناس جاءت أعمالهم محض إباحة يقضون عامة شهوات النفوس بما لابسوه من العادات، وتلبسوا به من الأوضاع، ومن هذه الجمعيات الدينية أو الطرق ما هو أشبه بمجالس عهر وفجور منه بمجالس ذكر وعبادة، فيه أطرب الأصوات وأمتع الموسيقى وأجمل الوجوه وألطف الرقص وأغرى الأشعار الغرامية، ولطالما كان من بعض أهل هذه الطرق مطية لرجال السياسة يستخدمونهم في فتنة العامة، ليوطدوا لهم أسباب الملك والغلبة. أما هؤلاء المتصوفة أو المتعبدة أو المتفقرة أو المتزهدة فإنهم لا يتحرجون من مناصرة كل قائم رجاء الحظوة لديه، وهو يبالغ في إغداق حسناته عليهم يتمتعون بها من دون الناس.
كان من التصوف إفراط في اطراح الدنيا أولا، ثم تفريط أدى إلى اتخاذه ذريعة لكل رغيبة، لم يقف المنتحلون له عند مناهي الشرع؛ اللهم إلا ما راعوا فيه الظواهر من عبادات دخلت في حكم العادات، وكثر عدد هذه الطرق في العالم الإسلامي حتى ما تكاد تعد، وأصبحت الطرق إلى الله تعالى، كما قال لسان الدين ابن الخطيب، على عدد أنفاس الخلائق، يدخل في غمارها كل من ترغب نفسه في الكسل، وتحدثه بالدجل، وسماع الغرائب وإسماعها، فينغمس فيها بقدر استعداده، ويقرب مجموع المتألفين في إحدى الطرق من الدين أو يبعدون من تعاليمه بحسب علم الشيخ الملقن وعقل مريديه؛ وأكثر المقنين المتأخرين أشبه بالعامة يمتازون بشيء من الجربزة والدهاء،
64
وقد يكون لهذه الطبقة من القبول في القلوب أكثر مما لو كانت على شيء من العلم.
وما برح منذ القديم يلتف حول أدعياء التصوف أناس من عمار بيوت البطالة والجهالة، وفي أفرادهم من لو حللت تراكيب عقولهم لما رأيتها إلا مائلة عن الاعتدال. بيد أن هذه الفئات التي كانت وطأتها أشد ما تكون في القرون الثلاثة الأخيرة حتى ما يكاد يخلو من انتحالها من كان يظن أنهم استناروا بقبس من نور العلم، عادت مؤخرا فتحولت في عالم الكون والفساد، وثاب أشد المتحمسين لها إلى رشدهم في الجملة، وزهد الناس في تصوفهم هذا، اللهم إلا أناسا ممن لا تميل فطرتهم إلى النشاط في العمل، أو من كان تحصيل الرزق في أرجائهم هينا لينا، ويرون من حكوماتهم معاضدة ضمنية بالسكوت عنهم، بحجة حرية المعتقدات، وكأنا بتلك المعتقدات المدخولة وصبيان المكاتب يردونها، وكانت من قبل ممتلك قلوب طوائف من الناس، هم بحسب العرف علية كل بلد.