وكان جابر بن حيان صاحب الكيمياء
56
متقلدا للعلم المعروف بعلم الباطن، وهو مذهب المتصوفين من أهل الإسلام كالحارث بن أسد المحاسبي وسهل بن عبد الله التستري ونظرائهم. وظهر المتصوفة في الإسكندرية
57
في مستهل القرن الثالث يأمرون بالمعروف ويعارضون السلطان في أمره، وكانت كلمتهم نافذة.
عرف الغزالي
58
التصوف بأنه: «علم خاص بطريقة واضحة مجموعة من العلمين الشرعي والعقلي»، «وعلمهم يشتمل على الحال والوقت والسماع والوجد والشوق والسكر والصحو والإثبات والمحو والفقر والغنى، والولاية والإرادة، والشيخ والمريد، وما يتعلق بأحوالهم مع الزوائد والأوصاف والمقامات.» ويفهم منه أنه علم لدني يتم من لدن المولى ويكون بالذوق والرياضة، وليس هو بعلم كسبي يتكون بالدرس والنظر. وذكر الأشعري
59
من أهل المائة الرابعة أن من النساك الصوفية من يقول بالحلول، وأن البارئ يحل في الأشخاص وأنه جائز أن يحل في إنسان وسبع وغير ذلك من الأشخاص، وأصحاب هذه المقالة إذا رأوا شيئا يستحسنونه قالوا: لا ندري لعل الله حال فيه، ومالوا إلى اطراح الشرائع وزعموا أن الإنسان ليس عليه فرض ولا يلزمه عبادة إذا وصل إلى معبوده. ا.ه. وكان كل من تنسك في ذلك الزمان سمي دورقيا نسبة إلى لبس الفلانس التي تسمى الدورقية
60
ويلبس أكثرهم المرقعات.
وفي الحق إن سيرة من شغفوا حبا بهذا الضرب من الأخلاق والعادات الذي سمي بالتصوف بعد، كانت في الصدر الأول مما يغبط عليه صاحبه، ويشرفه بين الأنام، وما أثر من كلماتهم أولا ثم من بعض مدوناتهم آخرا لو تم له نقل إلى لغات العلم الحديث اليوم، لما حوت من الدعوة إلى الأخلاق الفاضلة، لما خجل منها مسلم منور، وربما عدها بعضهم مفخرة من مفاخر الملة، بيد أن هذا العمل الصالح الذي كان يقصد منه تخفيف شرة التكالب على حطام الدنيا بإصلاح أهلها، أصبح في القرون التالية آلة من آلات التفريق بين أجزاء الأمة، وملهاة يتلهى بها العامة ومن في حكمهم من الناس، صدتهم عن الجلاد في ميدان الحياة، وخرجت من هذا المجموع الغض عناصر حيوية لو حسن استخدامها في المصالح، لما ترتب عليها بعد ذلك أمور غريبة، كالمواجيد والأذواق والشطح والكشف والأحلام، ولما أدت إلى اعتقاد الحلول ووحدة الوجود ثم إلى الإباحة، والتجرد من كل قيد، والدين لا يقر كثيرا مما يقوم
61
به بعض أدعياء التصوف أو أرباب الطرق من الأذكار والأوراد المصطلح عليها والتبتل والسماع والرقص ورفع الأعلام وضرب الطبول وإظهار الكرامات التي يزعمون، مثل مسك الثعابين والحيات ودخول النار وأكلها وبلع قطع الحديد والزجاج والآنية، واستعمال السلاح لضرب البطون، وإدخال المدى والأدوات الجارحة في الأفواه واللوق، أضف إلى ذلك ما يأخذون أنفسهم به من التوكل وترك السعي والعمل للمعاش، والتساهل بالفروض والواجبات، وإجهاد النفس في التريض والتقشف إلى غير ذلك من الحالات التي أنكرها حجة الإسلام في كتابه إحياء علوم الدين إنكار بعض العلماء وقوع الكرامات من الأولياء.
قال الشاطبي:
62
وقع السؤال عن قوم يتسمون بالفقراء يزعمون أنهم سلكوا طريق الصوفية فيجتمعون في بعض الليالي ويأخذون في الذكر الجهري على صوت واحد، ثم في الغناء والرقص إلى آخر الليل، ويحضر معهم بعض المتسمين بالفقهاء يرتسمون برسم الشيوخ الهداة إلى سلوك ذلك الطريق، هل هذا العمل صحيح في الشرع أم لا؟ فوقع الجواب بأن ذلك كله من البدع المحدثات المخالفة طريقة رسول الله وطريقة أصحابه والتابعين لهم بإحسان فنفع الله بذلك من شاء من خلقه، ثم إن الجواب وصل إلى بعض البلدان فقامت القيامة على القائلين بتلك البدع وخافوا اندراس طريقتهم وانقطاع أكلهم بها فأرادوا الانتصار لأنفسهم، بعد أن راموا ذلك بالانتساب إلى شيوخ الصوفية الذين ثبتت فضيلتهم، واشتهرت في الانقطاع إلى الله والعمل بالسنة طريقتهم، فلم يستقر لهم الاستدلال بكونهم على ضد ما كان عليه القوم، فإنهم كانوا بنوا نحلتهم على ثلاثة أصول: الاقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام في الأخلاق والأفعال، وأكل الحلال، وإخلاص النية في جميع الأعمال، وهؤلاء قد خالفوهم في هذه الأصول، فلا يمكنهم الدخول تحت ترجمتهم. ا.ه.