53
والأخلاط من الفقراء يأوون إليه على خلاف بين الباحثين في أصولهم. وقال ابن تيمية:
54
كان السلف يسمون أهل الدين والعلم القراء فيدخل فيهم العلماء والنساك، ثم حدث بعد ذلك اسم الصوفية والفقراء. واسم الصوفية هو نسبة إلى لباس الصوف، هذا هو الصحيح وقد قيل: إنه نسبة إلى صفوة الفقهاء، وقيل: إلى صوفة بن إد بن طابخة قبيلة من العرب كانوا يعرفون بالنسك، وقيل: إلى أهل الصفة، وقيل: إلى الصفا وقيل: إلى الصفوة وقيل: إلى الصف المقدم بين يدي الله تعالى. وهذه أقوال ضعيفة فإنه لو كان كذلك لقيل: صفي أو صفائي أو صفوي أو صفي ولم يقل صوفي، وصار أيضا اسم الفقراء يعني به أهل السلوك، وهذا عرف حادث. ا.ه. ولأبي الفتح البستي:
تنازع الناس في الصوفي واختلفوا
فيه وظنوه مشتقا من الصوف
ولست أنحل هذا الاسم غير فتى
صافي فصوفي حتى لقب الصوفي
وقال المعري:
صوفية ما ارتضوا للصوف نسبتهم
حتى ادعوا أنهم من الطاعة صوفوا
وأنشد الظاهر
55
لنفسه:
أرى جيل التصوف شر جيل
فقل لهم وأهون بالحلول
أقال الله حين عشقتموه
كلوا أكل البهائم وارقصوا لي
ويقول الكلاباذي في التعرف لمذهب أهل التصوف: إن الصوفية سموا بهذا الاسم لقرب أوصافهم من أوصاف أهل الصفة الذين كانوا على عهد رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، ولكثرة أسفارهم سموا سياحين، ومن سياحتهم في البراري وإيوائهم الكهوف عند الضرورات سماهم بعض أهل الديار شكفتيه، والشكفت بلغتهم الغار والكهف، وأهل الشام سموهم جوعية؛ لأنهم إنما ينالون من الطعام قدر ما يقيم الصلب، قال: ولما كانت هذه الطائفة بصفة أهل الصفة ولبسهم وزيهم زي أهلها سموا صفية صوفية، وقال: فقد اجتمعت هذه الأوصاف كلها ومعاني هذه الأسماء كلها في أسامي القوم وألقابهم، وصحت هذه العبارات وقربت هذه المآخذ، وإن كانت هذه الألفاظ متغيرة في الظاهر فإن المعاني متفقة؛ لأنها إن أخذت من الصفاء والصفوة كانت صفوية، وإن أضيفت إلى الصف أو الصفة كانت صفية أو صفية، ويجوز أن يكون تقديم الواو على الفاء في لفظ الصوفية وزيادتها من لفظ الصفية والصفية إنما كانت من تداول الألسن، وإن جعل مأخذه من الصوف استقام اللفظ وصحت العبارة من حيث اللغة، وجمع المعاني كلها من التخلي عن الدنيا وعزوف النفس عنها، وترك الأوطان ولزوم الأسفار، ومنع النفوس حظوظها وصفاء المعاملات وصفوة الأسرار إلخ.
قال: وممن نطق بعلومهم وعبر عن مواجيدهم ونشر مقاماتهم ووصف أحوالهم قولا وفعلا بعد الصحابة رضوان الله عليهم علي بن الحسين زين العابدين وابنه محمد بن علي الباقر وابنه جعفر بن محمد الصادق بعد علي والحسن والحسين رضي الله عنهم وأويس القرني والحسن بن أبي الحسن البصري وأبو حازم سلمة بن دينار المديني ومالك بن دينار وعبد الواحد بن زيد وعتبة الغلام وإبراهيم بن أدهم والفضيل بن عياض إلخ. وممن نشر علوم الإشارة كتبا ورسائل الجنيد والثوري والحراز ويقال له: لسان التصوف إلخ. وممن صنف في المعاملات منهم أبو محمد عبد الله بن محمد وأبو عبد الله أحمد بن عاصم الأنطاكيان وعبد الله بن خبيق الأنطاكي والحارث بن أسد المحاسبي ويحيى بن معاذ الرازي وغيرهم، وهم «الأعلام المذكورون المشهورون المشهود لهم بالفضل الذين جمعوا علوم المواريث إلى علوم الاكتساب، سمعوا الحديث وجمعوا الفقه والكلام واللغة وعلم القرآن، وبذلك تشهد كتبهم ومصنفاتهم إلخ.»
وأول من تسمى بالصوفي في أهل السنة أبو هاشم الصوفي المتوفى سنة 150ه، وكان من النساك يجيد الكلام وينطق بالشعر كما وصفه الجاحظ، مثل كلاب وكليب وهاشم الأوقص وصالح بن عبد الجليل. وأول من تكلم على التصوف وعلوم الأحوال بكورة خراسان شفيق بن إبراهيم الزاهد أبو علي البلخي المتوفى سنة 153ه، وكان من كبار مشايخ خراسان وله لسان في التوكل، وكان أبو حمزة الصوفي أول من تكلم ببغداد في هذه المذاهب سنة 269 من صفاء الذكر وجمع الهمة، والمحبة والشوق، والقرب والأنس.