تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

47

وتخلى عن الدنيا: «يا عدي نفسه لقد استهام بك الخبيث، أما رحمت أهلك وولدك، أترى الله أحل لك الطيبات وهو يكره أن تأخذها، أنت أهون على الله من ذلك.»

وبدا لأبي ذر الغفاري من كبار الصحابة، وأحد أوعية العلم في الإسلام، أن يأخذ بظاهر القرآن في قوله:

والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ، وذهب إلى أن المسلم لا ينبغي أن يكون في ملكه أكثر من قوت يومه وليلته، أو شيء ينفقه في سبيل الله أو يعده لكريم، فتأذى الأغنياء بما دعا إليه، وكثرت سلاطة الفقراء عليهم، فشكا معاوية بن أبي سفيان أبا ذر الغفاري إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان فنفاه إلى الربذة. ورأي أبي ذر أشبه بالآراء الاشتراكية، لكنه منبعث من زهد كثير وتقوى جميلة، إذا سار المسلمون على طريقهما ضعف سلطانهم في الأرض، ومن ضعف سلطانه ضعفت مقدساته ومشخصاته لا محالة.

وعد بعض الباحثين من المعاصرين حذيفة بن اليمان فاتح الري وهمدان والدينور في صف أبي ذر الغفاري في التصوف، وحذيفة بن اليمان هو الذي قال فيه عمر بن الخطاب - وقد قال لأصحابه أن يتمنوا، فتمنوا ملء البيت

48

الذي كانوا فيه مالا وجواهر ينفقونها في سبيل الله - قال: لكني أتمنى رجالا مثل أبي عبيدة ومعاذ بن جبل وحذيفة بن اليمان.

ونشأ في القرن الأول رجال ربانيون

49

أتقياء عزفت نفوسهم عن بهرج الدنيا وزخرفها، فانصرفوا إلى العبادة والزهادة، لمزاج خاص بهم، أو جبلة دفعتهم فتماشوا معها، أو لسبب من الأسباب التي تعرض للبشر من إخفاق في طلب مجد أو مال أو وصال، ومنهم من فتن به الناس فاتبعوه لما رأوا من جميل تمسكه وحسن سمته ، وبعده عن سفساف أمور هذا العالم، وكان هذا الرعيل من أوائل المتصوفة في الإسلام. ويقول ابن تيمية: إن أول ظهور الصوفية كان في البصرة، وإنهم من أصحاب عبد الواحد بن زيد من أصحاب الحسن البصري. والمظنون أن التصوف جاء الإسلام من الآريين؛ فقد كان في المجوس والبراهمة أيضا زهاد، وما خلت الأمم كلها من زهاد وعباد في كل العصور.

ويرى ماسنيون

50

أن الميل إلى حياة النسك كانت في كل بلد وفي كل عنصر، فلم تنشب أن انتشرت في الإسلام في قرنيه الأولين. وذكر الجاحظ وابن الجوزي أسماء أكثر من أربعين ناسكا حقيقيا، وأن الاستعداد للتصوف ينشأ في العادة من ثورة باطنية تخامر القلوب، فيثور صاحبها على المظالم الاجتماعية ولا يقف عند مقاومة غيره، بل يبدأ بجهاد نفسه وإصلاح خطيئاته، وذلك بنية سليمة في الباطن ليلقى الله تائبا منيبا، على نحو ما تجلى ذلك كل التجلي في الأمثال والخطب التي أثرت عن الحسن البصري، وذكر أن الطرق في الإسلام نشأت في القرن الحادي عشر من الميلاد.

كان الخطب في التنمس

51

بالدين، والتنطع

52

في العبادة، والتناغي بالآخرة واطراح الدنيا، من السهل على المجتمع الإسلامي لو انحصر في أفراد بعينهم، ولكنه تعدى إلى العوام، والعوام في كل عصر ومصر لا يقيمون للحقائق وزنا، ولا يهشون إلا لما تزينه لهم ظواهر المحسوسات، وهم أقرب الطبقات إلى غلط الحس، والمغالطة في النافع والضار. ولقد أطلق على من أخذوا أنفسهم بهذه الطريقة لقب الصوفية والمتصوفة، وعلى علمهم اسم التصوف، نسبة إلى الصوف الذي كانوا يلبسونه، أو إلى سوفا اليونانية ومعناها الحكمة، أو إلى رجل يقال له صوفة كان في الجاهلية هو وأصحابه ممن انقطعوا إلى الله ولزموا الكعبة فقالوا لمن تشبه بهم الصوفي. وقال السهروردي: إن سبب تسميتهم بالصوفية لبسهم الصوف، أو لأنهم كانوا من الانكسار كالخرقة الملقاة والصوفة المرمية، أو لأنهم في الصف الأول بين يدي الله عز وجل، وأن الأصل في اسمهم صفوي نسبة إلى الصفة، وهو موضع مقتطع من مسجد النبي مظلل عليه ، كان الأوفاض

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ١٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ١٦٥