تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولقد احتاج الحديث أيضا لما جعلوا لتصحيحه من شروط وقيود إلى أن لا تنسى الأمة ماضيها، وكان على المحدث أن يكون له حظ وافر من أخبار الناس وأنسابهم وتقويم بلادهم، كما كان الواجب أن يكون له قسط من علوم العربية، وإدمان تلاوة الأحاديث واستظهارها أيضا من أساليب تقوية ملكة العربية وتمرين الحافظة على الحفظ والذاكرة على التذكر. وقد رأينا في القرون الأولى من رجال الحديث جماعة وضعوا التواريخ المعتبرة على أسلوب المحدثين بالرواية وتصحيح السند، والسند

41

عند علماء الإسلام شرط في العمل بما في الكتب والاحتاج بها، والسند أن يعطي المصنف كتابه إلى آخر ويقول له: أذنت لك أن تروي عني هذا الكتاب، ويعطيه الذي أخذه عن المصنف إلى آخر بهذا الشرط. وهكذا نسبة كل علم، ولا يكون الكتاب معتبرا إذا عدم هذا السند، ولو ضم شتات العلوم الكثيرة، ولا يصح نسبة ما في الكتاب إلى من نسب إليه الكتاب إلا بشرط السند، وهذا شيء خص به علماء الإسلام وشريعته.

وانقرض المحدثون في القرن السابع أو كادوا وصار أهله «شرذمة قليلة العدد ضعيفة العدد» لا تغني على الأغلب في تحمله بأكثر من سماعه غفلا، ولا تعنى في تقييده بأكثر من كتابته عطلا

42

وعلى كثرة عناية السلف من المحدثين واشتراطهم في المحدث أن يعرف المسانيد والعلل وأسماء الرجال والعالي والنازل، وأن يحفظ مع ذلك جملة مستكثرة من المتون ويسمع الكتب الستة ومسند أحمد وسنن البيهقي ومعجم الطبراني ويضم إلى هذا القدر ألف جزء من الأجزاء الحديثية ، ويحفظ كتب الطبقات ويزيد على الشيوخ - مع كل هذه العناية وما ألفوه في المدلسين والضعفاء «لقبوهم

43

بالحشوية والنابتة والمجبرة وربما قالوا الجبرية وسموهم الغثاء والغثر، وهذه كلها أنباز

44

لم يأت بها خبر عن رسول الله.» ومع أن المحدثين تحاموا كل ما هجم على الأحاديث من وضع وتصنيع، وأطرح المحققون منهم الغث وأثبتوا السمين في الجملة، فقد وقع لهم لكثرة ما تناولته الأيدي المختلفة ما وقع في تفسير القرآن، ونقل من كانوا من أصل يهودي أو نصراني ككعب الأحبار ووهب بن منبه وعبد الله بن سلام وابن جريج وأمثالهم أخبارا لا صحة لها، وملأ المفسرون كتب التفسير بهذه المنقولات.

45

يقول الذهبي: إن غالب المحدثين في زمانه، أي في القرن الثامن لا يفهمون، ولا همة لهم في معرفة الحديث ولا في التدين به، بل الصحيح والموضوع عندهم بنسبة، وإنما همتهم في السماع على جهلة الشيوخ، وتكثير العدد من الأجزاء والرواية، لا يتأدبون بآداب الحديث ولا يستفيقون من سكرة السماع، إلى أن قال فأي شيء ينفع السماع على جهلة المشايخ الذين ينامون والصبيان يلعبون، والشبيبة يتحدثون ويمزحون، وكثير منهم ينعسون ويكابرون، والقارئ يصحف. وقال بعد أن ذكر من طلب الحديث منذ عهد الصحابة والتابعين ومن بعهدهم: ثم تناقص هذا الشأن في المائة الرابعة بالنسبة إلى المائة الثالثة ولم يزل ينقص إلى اليوم، فأفضل من في وقتنا اليوم من المحدثين على قلتهم نظير صغار من كان في ذلك الزمان على كثرتهم، وكم من رجل مشهور بالفقه والرأي في الزمن القديم، أفضل في الحديث من المتأخرين، وكم من رجل من متكلمي القدماء أعرف بالأثر من مشيخة زماننا.

علم التصوف

رأى الجمهور من الصحابة الذين عاشروا الشارع الأعظم ورأوا قوله وعمله أن الواجب على المسلم أن يكون إلى الاعتدال حتى في العبادة وأن يعنى بأمر دنياه، ومن أجل هذا رأينا عمر بن الخطاب يمر برجل يصوم الدهر فيضربه بمخفقته، أي بدرته التي يضرب بها، ويقول: كل يا دهر كل يا دهر، ورأيناه يعس

46

المسجد بعد العشاء فلا يرى فيه أحدا إلا أخرجه وأمر الناس أن يتفرقوا، وشاهدنا علي بن أبي طالب يكتب إلى أحد عماله: «وخادع نفسك العبادة وارفق بها ولا تقهرها، وخذ عفوها ونشاطها، إلا ما كان مكتوبا عليك من الفريضة فإنه لا بد من قضائها وتعاهدها عند محلها.» وقال لمن لبس العباء

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ١٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ١٦٤