هندي أو يوناني أو فارسي أو من شروح التوراة أو الإنجيل لا يؤبه له، فصبغها أصحابها بصبغة دينية ليقبل عليها الناس، وما وجد أولئك الوضاعون إلا الحديث فدخلوا منه على الناس، وكان من ذلك أن ترى في الحديث الحكم الفقهي المصنوع والحكمة الهندية والفلسفة الزرداشتية والموعظة الإسرائيلية أو النصرانية. ا.ه.
والذي زاد في تبلبل الأحاديث كونها لم تدون إلا أواخر المائة الأولى؛ ذلك لأن الرسول كان ينهى عن تدوينها لئلا تختلط بالقرآن، وكذلك كان من أصحابه بعده. وفي صحيح مسلم أن النبي قال: «لا تكتبوا عني شيئا إلا القرآن، ومن كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه.» وفي كتب السير أن الرسول دعا اليهود فحدثوه حتى كذبوا على عيسى فصعد النبي المنبر فخطب الناس، وقال: «إن الحديث سيفشو عني، فما أتاكم عني يوافق القرآن فهو عني، وما أتاكم عني يخالف القرآن فليس مني.» ثم قال العلماء
37
بإباحة كتابة الحديث لمن خشي عليه النسيان، ونهى عن الكتابة عنه من وثق بحفظه، مخافة الاتكال على الكتاب، أو نهى عن كتابة ذلك حين خاف عليهم اختلاط ذلك بصحف القرآن، وأذن في كتابته حين أمن ذلك، ولولا تدوينه في الكتب لدرس في الأعصر الآخرة. ويقول ابن تيمية:
38
إن الدواوين المشهورة في السنن إنما جمعت بعد انقراض الأئمة المتبوعين، ومع هذا فلا يجوز أن يدعى انحصار الحديث في دواوين معينة، ثم لو فرض انحصار حديث رسول الله، فليس كل ما في الكتب يعلمه العالم، ولا يكاد ذلك يحصل لأحد، بل قد يكون عند الرجل الدواوين الكثيرة وهو لا يحيط بما فيها، بل إن الذين كانوا قبل جمع هذه الدواوين أعلم بالسنة من المتأخرين بكثير؛ لأن كثيرا مما بلغهم وصح عندهم قد لا يبلغنا إلا عن مجهول أو بإسناد منقطع أو لا يبلغنا بالكلية، فكانت دواوينهم صدورهم التي تحوي أضعاف ما في الدواوين. ا.ه.
ونقلت أحاديث بالمعنى لا باللفظ، وما كان الناقلون نمطا واحدا في إحكام ملكة البيان؛ ذلك لأن منهم الموالي والأعاجم البعيدين عن السليقة العربية فجاء في بعضها ما يستحيل أن يصدر من لسان أفصح الناطقين بالضاد. ولقد قال ابن قتيبة:
39 «إن من المحدثين من يرون كل سخافة تبعث على الإسلام الطاعنين، وتضحك منه الملحدين، وتزهد من الدخول فيه المرتادين، وتزيد في شكوك المرتابين.» قال: ولا أعلم أحدا من أهل العلم والأدب إلا وقد أسقط
40
في علمه كالأصمعي وأبي زيد وأبي عبيدة وسيبويه والأخفش والكسائي والفراء وأبي عمرو الشيباني، وكالأئمة من قراء القرآن والأئمة من المفسرين. وقد أخذ الناس على الشعراء في الجاهلية والإسلام الخطأ في المعاني وفي الإعراب، وهم أهل اللغة وبهم يقع الاحتجاج، فهل أصحاب الحديث في سقطهم إلا كصنف من الناس، على أنا لا نخلي أكثرهم من العذل في كتبنا في تركهم الاشتغال بعلم ما قد كتبوا والتفقه بما جمعوا، وتهافتهم على طلب الحديث من عشرة أوجه وعشرين وجها، وقد كان في الوجه الواحد الصحيح والوجهين مقنع. ا.ه. وذكروا أن صحيح البخاري وهو من أصح كتبهم المحررة اشتمل على تسعة آلاف حديث ومائتين منها ثلاثة آلاف متكررة والأسانيد عليها مختلفة في كل باب، على أن مسألة تدوين الحديث لم تقف عند عبث العابثين من الزنادقة وغيرهم بل قيض الله لها رجالا كيحيى بن معين وأمثاله، محصوا الرجال العدول من غيرهم، وأسسوا علم الحديث المبني على معرفة الصحيح منه والحسن والمتواتر، وبينوا الضعيف والموضوع، وألفوا في طبقات الرجال ما عرف به الثقات، وعندها ميزوا الصحاح من الضعاف وغيرها.
وليس من الغلو أن يدعى أن علماء الملة لم يعانوا علما من العلوم كما عانوا علم الحديث، وما دون من الكتب أكثر من كتب الحديث وما يلزم له، وخدم الحديث علم التاريخ كثيرا؛ لأنه يتوقف على معرفة الرجال وطبقاتهم ومواطنهم، وخدم علم الاجتماع؛ لأن المحدثين كانوا يرحلون إلى أقصى المشرق والمغرب في طلب حديث واحد، يسمعونه من راويه إما لعلو إسناده أو لثقتهم بالرواية، فنشأت من تدوين الحديث وتنقل رواته في الأمصار طريقة في التهذيب، فكان المحدثون يجتمعون يأخذ بعضهم عن بعض في جملة ما يأخذون من الحديث آراء ومنازع ونقدا وأسلوبا، كلها أورثت وحدة فكرية بين الأقطار الإسلامية، وكان اجتماع العلماء في الموسم من أكبر المعونات على رواية الحديث، يجتمع ابن خراسان بابن الأندلس وابن بخارى بابن إفريقية، ومن رجع إلى طبقات الأندلسيين ككتاب الصلة لابن بشكوال، وبغية الملتمس للضبي، والمعجم لابن الأبار وتكملة الصلة له، وتاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي، ونفح الطيب للمقري وغيره - من رجع إلى مثل هذه الكتب وقرأ تراجم المترجم لهم عرف عناية أهل الشرق والغرب من علماء الإسلام بالرحلة في طلب الحديث، وولع العلماء بالأخذ بعضهم عن بعض وتبادل العلم.