تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

24

وانتقل الحوار من اللسان إلى السيف والسنان، واتفقت

25

كلمة أهل الحديث على الوقوف أمام هذه الحركة الكلامية والجمهور منهم فنالوا منهم ما أرادوا. وتنازعت الأمة عوامل مختلفة من المتفقهة والمتكلمة والمتفلسفة والمتصوفة، وراجت أسواق التبديع والتكفير والتفسيق، وكتبوا الكتب وشحنوها بالمطاعن والتقول بعضهم على بعض، حتى أفتوا بمنع الصلاة

26

خلف من يخوض في علم الكلام وإن تكلم بحق.

قال الشافعي: حكمي في أصحاب الكلام أن يضربوا

27

بالجريد، ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في الكلام. وروي عنه أن رجلا إذا أوصى بكتب العلم لشخص لا تدخل كتب الكلام في الوصية؛ لأن الكلام ليس بعلم. وقال مالك: لا تجوز شهادة أهل البدع والأهواء. وقال أصحابه: إنه أراد بأهل الأهواء أهل الكلام على أي مذهب كانوا. وقال أحمد بن حنبل: لا يفلح صاحب الكلام أبدا، ولا تكاد ترى أحدا نظر في الكلام إلا وفي قلبه دغل،

28

وبالغ في ذمه حتى هجر الحارث المحاسبي مع زهده وورعه؛ بسبب تصنيفه كتابا في الرد على المبتدعة، وقال له: ويحك! ألست تحكي بدعتهم أولا ثم ترد عليهم؟ ألست تحمل الناس بتصنيفك على مطالعة البدعة والتفكر في تلك الشبهات فيدعوهم ذلك إلى الرأي والبحث؟ وروي عنه أنه قال: علماء الكلام زنادقة. وقال أبو يوسف: من طلب العلم بالكلام تزندق. وسواء صح أم لم يصح ما روي عن أئمة المذاهب في تقبيح رأي المتكلمين، فالثابت أن رجال الحديث كانوا غير راضين عنهم، ووسع مدى الخلاف بين الفقهاء والمحدثين وبين المتكلمين من جاءوا بعد من التلاميذ والأنصار فزادوا في إضرام نار الخلاف «وكثرت النحل وتقطعت العصم

29

وتعادى المسلمون وأكفر بعضهم بعضا.»

هذا إجمال ما يقال في نشأة الكلام والقضاء عليه وعلى أهله بأيدي أهل الإسلام. أما الحديث فهو علم بأصول يعرف بها أحوال حديث الرسول من صحة النقل عنه وضعفه، وطرق التحمل والأداء، وفي اصطلاح المحدثين قول النبي وفعله وتقريره وصفته حتى الحركات والسكنات في اليقظة والمنام ويرادفه السنة عند الأكثر، ولقد كثرت الأحاديث المروية والمتكررات منه، ودخلها الشوب

30

من وجوه ثلاثة،

31

منها الزنادقة واجتيالهم

32

على الإسلام وتهجينه، بدس الأحاديث المستشنعة والمستحيلة، ومنها القصاص على قديم الزمان، فإنهم ما كانوا يميلون وجوه العوام إليهم، ويستدرون ما عندهم إلا بالمناكير والغريب والأكاذيب من الأحاديث، ومنها أخبار متقادمة كان الناس في الجاهلية يرونها تشبه أحاديث خرافة، وغلا الوضاعون في الحديث، فمنهم من وضع أحاديث لتقوية المنازع السياسية تلمح فيها لأول نظرة أثر الوضع والكذب، ومنها أحاديث في فضائل بعض الصحابة، «وإن أصل

33

الكذب في حديث الفضائل كان من جهة الشيعة؛ فإنهم وضعوا في مبدأ الأمر أحاديث مختلفة في صاحبهم» اضطرته في حياته إلى أن ضرب على أيدي من جاهر منهم بالغلو فيه، ووضعوا أحاديث في فضائل بعض البلدان وفي تفضيل بعض القبائل على بعض، بل بلغت بهم السخافة أن وضعوا أحاديث في الطعام، ووضع عبد الكريم بن أبي العوجاء

34

الذي ضربت عنقه على الوضع أربعة آلاف حديث يحرم فيها ويحلل، ومنها ما هو في التشبيه والتعطيل، وفي بعضها تغيير أحكام الشريعة.

ووضع الوضاعون أحاديث في المرجئة

35

والجهمية والقدرية والأشعرية ووصف ما يكون بعد الثلاثين ومائة، والستين ومائة وظهور الآيات بعد المائتين، وفي مدح بعض قبائل العرب وفضائل أبي بكر وعلي ووضعت الرافضة في فضله ثلاثمائة ألف حديث، إلى غير ذلك مما رده نقاد الحديث.

ومنهم من وضع أحاديث في الترغيب والترهيب لا يقبلها العقل، ولا خطرت ببال الرسول وأصحابه وكبار التابعين؛ ذلك لأن ما كان من أصل

36

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ١٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ١٦٢