وهكذا قضي على الشرع بأيدي أهله؛ لإيغالهم في تعسفهم، ورضاهم بجهلهم، وجمودهم جمودا جمدت معه العقول، وخمدت جذوة الإيمان واليقين، وكان أهم باعث عليه إسناد المناصب الدينية إلى غير أهلها من حكام السوء، ولو صحت عزائم الحكام على أن يختاروا الأطايب من القضاة لما آضت الحال إلى ما آضت إليه، وما خلا قرن من رجال كانوا جد كفاة في معرفة الشرع، والبصر بما يصلح لكل زمان ومكان، وكان من أثر الجهلاء أن انتقل الناس إلى عالم آخر في تقاضيهم، وضرب القانون الجديد الشريعة القديمة ضربة كادت تقضي عليها، لولا أنها بقيت موقرة في النفوس، على رغم عبث العابثين وجهل الجاهلين.
علم الكلام وعلم الحديث
دخل في الإسلام من أهل الأديان المعروفة قبله أناس لم تنزع من صدورهم تعاليمهم ومعتقداتهم، ولا صفت نفوسهم من لوثات جاهلية وثنية، ومنهم المانوية والديصانية والصابئة واليهود واليعاقبة والنساطرة فكان من الطبيعي أن يوردوا شبها على الإسلام في الخالق والمعاد وحشر الأرواح والقدر وغير ذلك من المعضلات المعقدة التي كثر في كل عصر التفكير فيها، فانبرى لهم أناس من العلماء يردون ما أوردوه على الدين من الشبهات، ويتعرفون إلى معتقداتهم فيقاتلون أهواءهم بسلاح اتخذوه من نوع سلاحهم، ويستعملون عقولهم في إدحاض كل بدعة، جامعين في حجاجهم بين المعقول والمنقول؛ فكان من ذلك علم جديد أواخر المائة الأولى سموه علم الكلام، وهو من العلوم التي تعلم وتعلم بالكلام، فأطلق عليه هذا الاسم ثم خص به ولم يطلق على غيره، ومداره على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج عليها ودفع الشبه عنها؛ وموضوعه ذات الله سبحانه وتعالى وصفاته عند المتقدمين، وقيل: موضوعه الموجود من حيث هو موجود، وعند المتأخرين موضوعه المعلوم من حيث ما يتعلق به من إثبات العقائد الدينية تعلقا قريبا أو بعيدا.
يقول الغزالي:
20 «إن علم الكلام ينظر في ذات الله وصفاته وأحوال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والأئمة بعدهم والموت والحياة والقيامة والبعث والحساب ورؤية الله، وأهل هذا العلم متمسكون أولا بالأخبار والآيات ثم بالدلائل العقلية.» وقالوا: إن الأصول
21
معرفة الباري تعالى بوحدانيته وصفاته ومعرفة الرسل بآياتهم وبيناتهم وكل مسألة يتعين الحق فيها بين المتخاصمين فهي من الأصول، ولما كان الدين منقسما إلى معرفة وطاعة، والمعرفة أصل، والطاعة فرع، كان أصوليا من تكلم في المعرفة والتوحيد، وكان فروعيا من تكلم في الطاعة والشريعة، والأصول هي موضوع علم الكلام، والفروع هي موضوع علم الفقه، وقالوا: إن كل ما هو معقول ويتوصل إليه بالنظر والاستدلال فهو من الأصول، وكل ما هو مظنون ويتوصل إليه بالقياس والاجتهاد فهو من الفروع.
نشأ الكلام مع غيلان بن مروان الدمشقي ومعبد الجهني من قدماء أئمة المعتزلة، وإذا أطلق اسم علماء الكلام فالمراد بهم المعتزلة، فأخذوا يدرءون عن الدين شبه الملحدين، ممن كانت لهم عقائد مقررة وأساليب خاصة في الجدل، ولما لم ترق طريقة علماء الكلام رجال الحديث والفقه، وناهضوا من أخذوا أنفسهم بدفع الشبهات على الإسلام من المتكلمين، أصبح هؤلاء بين فريقين فريق أهل دينهم ممن لم يحمدوا الطريقة المتبعة في رد حجج الخصوم، ودفع ما عساه يعلق بالأذهان من كتب اليونان وغيرهم التي شرع في نقلها إلى العربية، والفريق المعادي الذي يتربص الدوائر بالإسلام ويحاول نقضه من أساسه ليمزق بذلك الشمل، ويجتث
22
الفرع والأصل. وجمهور
23
المؤمنين مقرون بحدوث العالم وتوحيد صانعه وقدمه وصفاته وعدله وحكمته ونفي التشبيه عنه، وبنبوة محمد ورسالته إلى البشر كافة وبتأييد شريعته، وبأن كل ما جاء به حق، وبأن القرآن منبع أحكام الشريعة.
سار المتكلمون في خطتهم التي رأوا بها الإبقاء على الإسلام، وتابعهم على مذهبهم أناس من شأنهم أن يولعوا بالعلم مطلقا ، وألفوا في هذا العلم تآليف كثيرة لم يصلنا منها غير نتف نقلها عنهم خصومهم، أما ما كتبوه بأيديهم في عصر الرشيد والمأمون والمعتصم والواثق والمتوكل فلم يكتب له البقاء والنشر؛ لأن الحرية التي أطلقت لهم على عهد هؤلاء الخلفاء الخمسة سلبوها بعد، ولا سيما على عهد ملوك الديالمة، وكان الفقهاء ورجال الحديث استأسدوا فقلبوا لعلماء الكلام ظهر المجن