ومن أعظم الطامات على العلم الديني أن يقضي أحد مشايخ الإسلام في الدولة العثمانية بأن لا توجه الوظائف الدينية إلا على أبناء أربابها، بمعنى أن يحصر خبز الأب في الابن، ولو لم يكن لهذا نصيب من العلم، أو لو كان في القماط، كأن العلم يورثه صاحبه كالسكة والفدان، والدار والزريبة والدكان. قال البيري من فقهائهم: «يبقى أبناء الميت ولو كانوا صغارا في وظائف آبائهم مطلقا من إمامة وخطابة وغير ذلك؛ لأن فيه إحياء خلف العلماء ومساعدتهم على بذل الجهد في الاشتغال بالعلم، وقد أفتى بجواز ذلك طائفة من أكابر الفضلاء الذين يعول على إفتائهم.» فقلت بذلك الرغبات في الدرس لأن الطالب لا أمل له مهما استعد أن يعيش من علمه، وما هلك جيل أو جيلان حتى انحصرت الوظائف الدينية في أيدي الجهلة إلا قليلا، ودخلت في حظيرة العلم الديني عناصر جاهلة، عبثت بالدين، وكانت عارا على قومها في الدنيا، بل أصبحت المناصب الدينية خاصة في كثير من المدن ببعض الأسر لا تتعداها، احتكروها دون سائر الناس، ومن تعلم من صنف العامة أو التجار أو الزراع يكون نصيبه الحرمان. وكم من أمثال هذه الفتوى المميتة للعلم من الطامات على الإسلام خلت من العقل، وجمدت بهؤلاء الأغمار هذه الشريعة المرنة، وكلما تقدم الزمن عصت على الارتقاء وكانت سمحة.
طلب قوم من الروس إلى الدولة العثمانية أن يدينوا بالإسلام على أن يسمح لهم بتناول قليل من الخمر واستعمال لحم الخنزير، فأفتى أحد مشايخ الإسلام ممن اشتهروا بعلمهم وورعهم، بأن لا يسمح لهم بالإسلام مطلقا على هذا الشرط، فأضاع بهذا الجمود مئات الألوف من البشر كان الإسلام يقوى بهم، ولو أدخلهم في الإسلام لما كانت روسيا بعد قرن أو قرنين تجد في بلادها من يقاتل جيوش الدولة العثمانية لمكان الدين الإسلامي من قومها، ولو ذهب المفتي إلى أمر الحكام بأن لا يتعرضوا لشارب الخمر بحد أو غيره كان أهون عليه من بقائهم على غير الإسلام وعدم الانتفاع بهم.
ظهرت قهوة البن فأفتى الفقهاء بتحريمها، فانفسح المجال لأرباب الجهالة من الحكام يقتلون من تعاطاها، وظهر الدخان فأفتى الفقهاء أيضا بتحريمه، وقطعت بسببه رءوس ألوف من الناس في الأرض العثمانية، وأرادت الدولة العثمانية أن تستعيض عن لبس «القاووق» على الرءوس بلباس للرأس اختارت له «الطربوش» فحرم الفقهاء لبسه وقالوا: إنه شعار الروم، وأحب الناس أن يلبسوا المعاطف والسراويلات الغربية، فقال الفقهاء: إن هذا لباس الكفار، وحرجوا على الناس في لباسه، وصحت عزيمة الدولة العثمانية على أن تقتبس الطباعة فمنع الفقهاء بالطبع من طبع القرآن تكريما له، وجرت في هذا المعنى أمور مضحكة حتى استطاعت الدولة أن تطبع القرآن والحديث وكتب الشريعة.
يحرمون كل ذلك بشدة لأنه مدرجة إلى التمدين، والمدنية عندهم مدرجة إلى الانحلال، إلى ما شاكل ذلك من الجهل الناشئ من الجمود على فرع واحد. هكذا كان فقهاء الترك في العهد الأخير، وفقهاء العرب تبع لهم؛ لأن الزعامة العلمية الدينية كانت للترك ودعوى الخلافة فيهم، حتى لقد أفتوا بحل دم الملك الذي تصدى للإصلاح على الطريقة الغربية، وبالفعل أهلكوا غير واحد ممن قالوا بهذا القول المنكر. ومثل هذه العقول لا يليق بها الاجتهاد ولا التقليد، وهي في الواقع ما استطاعت أن تطبق من الشريعة إلا ما جرى قبلها بقرون تنفيذه، وتم بحكم العادة في الناس، وما زالت الشريعةفي هبوط وضعف، تنفذ بنفاذ بصيرة القائمين عليها في الجملة، وبجهل معظم رجال القضاء وفساد تربيتهم ولتلطخهم بحمأة الرشاوي، ارتفعت ثقة أوروبا من المحاكم الشرعية، واقترحت على الدولة العثمانية والمصرية أن تنشئا محاكم نظامية منقولة قوانينها عن قوانين الغرب (1255ه/1839م)، وحصرت أعمال المحاكم الشرعية في مسائل الأحوال الشخصية ومسائل قليلة غيرها، ثم ألفت الدولة لجنة عهدت إليها تأليف كتاب جامع لأحكام الفقه سمته مجلة الأحكام العدلية، فسهل على المتقاضين وعلى القضاة الرجوع إلى ما دون من مذهب أبي حنيفة، وليتهم توسعوا في هذا العمل، ونادوا بإبطال كثير من كتب الفقه، وفتاوى المتأخرين وأقضيتهم، وتوسعوا في الأخذ من مذاهب معتمدة وأغفلوا ما عداها مما لا يوافق روح العصر. وحاول خديو مصر إسماعيل أن يحمل علماء الأزهر في عصره على تأليف كتاب في الحقوق والعقوبات موافق للعصر سهل العبارة، فرفضوا ذلك ظنا منهم أن هذه بدعة، فاضطر إسماعيل إلى إنشاء المحاكم الأهلية واعتمد على قوانين فرنسا، جاريا على مثال ما كان من ذلك في البلاد العثمانية.