تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

17

الاختلاف بين المخرجين والمرجحين، حتى على المسألة الواحدة، جعل علم الحقوق أشبه برموز لا يتيسر لأحد من الناس أن يتناول منه حكما جازما إلا بواسطة الفقهاء والمفتين، وقليل من الناس المعصوم عن الخطأ أو الغرض، فيحلل أحدهم من طريق أحد المرجحين ما يحرمه الآخر من طريق غيره، هذا بين علماء المذهب الواحد، فما بالك بتعدد المذاهب أيضا» وربما قصدوا بهذه الرموز إبعاد الدخلاء في العلم حتى لا يكون العلم فوضى، ولأجل هذا أنشأ الأمويون في قرطبة في القرن الثالث دار شورى القضاء تبت بين العلماء في تقرير الأحكام، وقد خالفت الإمام مالكا في عدة أحكام أخذت فيها بقول أبي قاسم.

وإن اقتصار الفقهاء المتأخرين على فقه من نقلوا عن إمامهم وحده، دون إتقان الآداب العربية والتاريخ وتقويم البلدان والحديث والأصول والفلسفة، زاد في ضعف ملكاتهم وأورثهم جمودا، وما كان في العهد الماضي يحرز الرجل لقب فقيه «إلا بالرحلة والتلقي من علماء الأمصار سوى علماء بلده يرحلون في تلقي الحديث والفقه، وكانت مكة تجمعهم في الموسم فيستفيد كل من الآخر ما عنده من علم وحديث وفكر.» وأصبح العلم الديني في القرن التاسع ظاهر الضعف في بعض مظاهره، ليس فيه إلا شرح كتاب للمتقدمين، أو ذيل على شرح لأحد المشهورين، أو جمع متفرق، أو تلفيق مجتمع، أو اختصار مطول، قلما تجد فيه أثرا للبحث أو للعقل، وأصبح المبرزون من العلماء يعدون في كل قرن على أصابع اليد في بلاد الإسلام، وحال رجال كل قرن أضعف ممن تقدموهم، وفشت البدع والضلالات ولا من ينكر، بل جاء من المتفقهين والمحدثين من شاركوا المتصوفين والمخرفين، وقصارى رجال الدين تولي المناصب الدينية ينشدونها من أصحاب السلطان، وكانوا في القرون الخالية لا يتطلب الخلفاء غير رضاهم. «ولضيق عقول أكثر هذه الطبقة من المتفقهة على الناس قرروا

18

أن المتأخر ليس له أن يقول بغير ما يقول به المتقدم، وجعلوا ذلك عقيدة، حتى يقف الفكر وتجمد العقول، ثم بثوا أعوانهم في أطراف الممالك الإسلامية ينشرون من القصص والأخبار والآراء ما يقنع العامة، بأنهم لا نظر لهم في الشئون العامة، وأن كل ما هو من أمر الجماعة والدولة هو مما فرض النظر فيه على الحكام دون من عداهم، ومن دخل في شيء من ذلك من غيرهم، فهو متعرض لما لا يعنيه، وإن ما يظهر من فساد الأعمال، واختلال الأحوال، ليس من صنع الحكام، وإنما هو تحقيق لما ورد في الأخبار من أحوال آخر الزمان، وأنه لا حيلة في إصلاح حال ولا مآل، وأن الأسلم تفويض ذلك إلى الله، وما على المسلم إلا أن يقتصر على خاصة نفسه، ووجدوا في ظواهر الألفاظ لبعض الأحاديث ما يعينهم على ذلك، وفي الموضوعات والضعاف ما شد أزرهم في بث هذه الأوهام.» «هذا الجمود في أحكام الشريعة جر إلى عسر حمل الناس على إهمالها: كانت الشريعة الإسلامية أيام كان الإسلام إسلاما، سمحة تسع العالم بأسره، وهي اليوم تضيق عن أهلها حتى يضطروا إلى أن يتناولوا غيرها، وأن يلتمسوا حماية حقوقهم فيما لا يرتقى إليها، وأصبح الأتقياء من حماتها يتخاصمون إلى سواها، صعب تناول الشريعة على الناس حتى رضوا بجهلها عجزا عن الوصول إلى علمها، أفلا ترى العارف بها من الناس إلا قليلا لا يعد شيئا إلى من لا يعرفها، وهل يتصور من جاهل بشريعة أن يعمل بأحكامها، فوقع أغلب العامة في مخالفة شريعتهم، بل أسقط احترامهم من أنفسهم؛ لأنهم لا يستطيعون أن يطبقوا أعمالهم بمقتضى نصوصها، وأول مانع لهم ضيق الطاقة عن فهمها لصعوبة العبارات وكثرة الاختلاف.»

وكانت البدع إذا ظهرت يحاربها قادة الإسلام بسلاح القرآن «يدحضون

19

الحجة بالحجة، ويقرعون البدعة بالسنة، إلى أن تمكن حب التقليد من النفوس، وقل الاشتغال بالتفسير والحديث، وأهمل التاريخ فاختلط الحابل بالنابل، بل راجت سوق الأحاديث الموضوعة، وانتفخت بها بطون التآليف، ولا سيما ما يتعلق منها بالزهد والرغائب، والحث على القناعة باليسير، والكفاف من الرزق، وإماتة المطالب النفسية، كحب المجد والرياسة والإقدام على عظائم الأمور، ودب إلى الأمة داء التوكل، واسترسلت وراء الأوهام، وعلق بالقلوب كثير من أدران الشرك»، «وأسدلوا بين الأمة وكتابها سترا من الأوهام، وحرموها لذة النظر والتدبر، فأصبح لا يتلى إلا في المآتم وعلى المقابر (تبركا) يتأكل به أناس من الكسالى، يتغنون به على قارعة الطرق وأبواب المساجد.» «واقتسم هذا الدين فريقان: فريق اطمأنت نفسه إلى القديم فهو يريد أن يرجع بالناس القهقرى، يحمل أهل القرن الرابع عشر على أن يتخلقوا بأخلاق أهل القرون الوسطى، ويحذوا حذوهم في أحكامهم وآرائهم ومدنيتهم، فلا يتخطوها قيد شبر، يكابرك في المحسوسات، ويجادلك في الحق، وينكر سنة الله في خلقه أن لكل عصر طورا من أطوار الحياة يأخذ قسطه من النمو والارتقاء، بحسب استعداد أهل ذلك العصر. وفريق رأى من وعورة المسلك، وصعوبة الفهم في كتب القوم ما يقطع نياط القلب، دون الوصول إلى الغاية، وإن كثيرا منها على تشتته وتشويشه، لا ينطبق على مقتضيات العصر الحاضر، ولا يأتلف ومدنيته، ففرطوا في أمر الدين، وأهملوا مجد آبائهم، وذهبوا يتلمسون الإصلاح من غيرها.»

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ١٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ١٥٩