وعلى هذا لم توحد مذاهب البلاد، ولو تم ذلك لاستراح الناس، وحصروا الجهد في جهة معينة، وقل الأخذ والرد، وبطل انتصار كل واحد لمذهبه وإمامه، مما أدى إلى فتن سنلم بها عما قريب، وآخر من وقعت إلينا سيرته من أصحاب السلطان الذين عرفوا مضار هذه الاختلافات، والشرع واحد والأصل واحد، الوزير ابن هبيرة من علماء الحنابلة، رأى هذا الاختلاف بين الفقهاء وقدر الضرر تقدير الإداري الحازم والحاكم العادل، فصنف في وزارته كتابا في مسائل الفقه المتفق عليها والمختلف فيها بين الأئمة الأربعة المشهورين، وجمع عليه أئمة المذاهب وأوفدهم من البلدان إليه لأجله، وحدث به، وجمع الخلق العظيم لسماعه، وكتب به نسخة لخزانة المستنجد وبعث ملوك الأطراف ووزراؤها وعلماؤها فاستنسخوه ليقضوا به على فوضى المسائل الفقهية في بلادهم. وقيل: إن الوزير ابن هبيرة أنفق على هذا مائة ألف واثني عشر ألف دينار، وما أمكن التوحيد بين أهل التوحيد.
ولقد ثبتت مذاهب وانتشرت، وتداعت أخرى وانقرضت، وما كان ثبات الثابتة لشيء لم يكن في غيرها، ولا انقراض المنقرضة لأنها غير صالحة للبقاء، فالمصدر واحد، والاجتهاد مختلف في بعض المسائل، وما كان يروع المسلمين «الخلاف بين المجتهدين مهما كان بعيد المدى وجعلوا ذلك علما خاصا، سموه علم الخلاف، يتدارسونه كما يتدارسون أصول الفقه، وقالوا: إن اختلاف الأئمة رحمة.» قال الغزالي في المستصفى: أشرف العلوم ما ازدوج فيه العقل والسمع، واصطحب فيه الرأي والشرع، وعلم الفقه وأصوله من هذا القبيل، فإنه يأخذ من صفو الشرع والعقل سواء السبيل، فلا هو تصرف بمحض العقول بحيث لا يتلقاه الشرع بالقبول، ولا هو مبني على محض التقليد، الذي لا يشهد له العقل بالتأييد والتشديد، ومن الأسباب في انقراض مذاهب الأوزاعي والحسن البصري والثوري وابن جرير وغيرهم عدم التوسع في الفروع، وإطالة المسائل، كما كان عليه الإمام محمد وأبو يوسف وأمثالهما من أصحاب أبي حنيفة، فإنهما دونا من الكتب ككتب ظاهر الرواية وغيرها ما بقي إلى اليوم متداولا في الأيدي، ومسائل الأصول تسمى ظاهر الرواية، وهي مسائل مروية عن أصحاب المذاهب، وسميت بظاهر الرواية لأنها رويت عن الأئمة بروايات الثقات، فهي ثابتة عنهم، إما متواترة أو مشهورة عنهم، وكذلك دون مالك والشافعي وابن حنبل أو من أخذ عنهم، وجمع ما تفرق، وفسر ما أبهم.
وما زال الأمر يتسع حتى نضج الفقه في القرن الرابع، وظل على نضجه مدة ثم أخذ في الضعف لانحطاط العلماء، بحيث أصبحوا غير قادرين على استخراج الأحكام بأنفسهم، فقال بعض الفقهاء ومنهم ابن الهمام بإغلاق باب الاجتهاد - «والاجتهاد»
16
بذل الجهد في استنباط الحكم الشرعي مما اعتبره الشارع دليلا، وهو كتاب الله وسنة نبيه - وبالأخذ «بالتقليد» وهو تلقي الأحكام من إمام معين واعتبار أقواله كأنها من الشارع نصوص يلزم المقلد اتباعها، ولما أوصدوا باب الاجتهاد حتى على من تمت أدوات العلم فيه حجروا على العقل «وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد، محتاجة إلى غيرها، وسدوا على أنفسهم طرقا صحيحة من طرق معرفة الحق.» كما قال ابن قيم الجوزية وتكلم على الاجتهاد والتقليد وما أدخله المتأخرون من الحيل التي يتعالى أئمة المذاهب عن القول بها، وهي مدسوسة لا محالة، وذكر فصلا ممتعا في تغير الفتوى واختلافها بحيث تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعادات مما وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه.
ونسوا أن من المسائل ما هو «سياسة جزئية بحسب المصلحة تختلف باختلاف الأزمنة»، «وأن الكتب العظيمة التي أبقاها عظماء الفقهاء صارت أثرا بعد عين، وقصر الفقهاء همهم على الكتب التي كتبها أصحابها في عصر التقهقر، وقد ضعفت سليقتهم العربية فتحول كلامهم إلى ما يشبه الألغاز، فكأن المؤلف لم يكتب ليفهم بل ليجمع.» ثم «إن كثرة