تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والغالب أن العارفين كانوا حتى في القرن الثاني غير راضين عن هذا الاختلاف، ويرون وضع كتاب جامع يرجع إليه رجال القضاء وغيرهم، تخفيفا على القضاة، وتيسيرا للمتقاضين، وقد كتب ابن المقفع إلى الخليفة المنصور على الأرجح يقول له

15

من كتاب: «ومما ينظر أمير المؤمنين فيه من أمر هذين المصرين (البصرة والكوفة) وغيرهما من الأمصار والنواحي، اختلاف هذه الأحكام المتناقضة التي قد بلغ اختلافها أمرا عظيما في الدماء والفروج والأموال، فيستحل الدم والفرج بالحيرة، وهما يحرمان بالكوفة، ويكون مثل ذلك الاختلاف في جوف الكوفة، فيستحل في ناحية منها، ويحرم في ناحية أخرى، غير أنه على كثرة ألوانه نافذ في المسلمين في دمائهم وحرمهم، يقضي به قضاة جائز أمرهم وحكمهم، مع أنه ليس مما ينظر في ذلك من أهل العراق وأهل الحجاز فريق إلا قد لج بهم العجب بما في أيديهم، والاستخفاف ممن سواهم، فأقحمهم ذلك في الأمور التي يشنع بها من سمع من ذوي الألباب.» «أما من يدعي لزوم السنة منهم، فيجعل ما ليس له سنة سنة، حتى يبلغ ذلك منه إلى أن يسفك الدم بغير بينة، ولا حجة على الأمر الذي يزعم أنه سنة، وإذا سئل عن ذلك لم يستطع أن يقول: هريق فيه دم على عهد رسول الله

صلى الله عليه وسلم

أو أئمة الهدى من بعده، وإذا قيل له: أي دم سفك على هذه السنة التي تزعمون، قالوا: فعل ذلك عبد الملك بن مروان أو أمير من بعض أولئك الأمراء، وأما من يأخذ بالرأي فيبلغ به الاعتزام على رأيه أن يقول في الأمر الجسيم من أمر المسلمين قولا لا يوافقه عليه أحد من المسلمين، ثم لا يستوحش لانفراده بذلك وإمضائه الحكم عليه، وهو مقر أنه رأى منه لا يحتج بكتاب ولا سنة، فلو رأى أمير المؤمنين أن يأمر بهذه القضية والسير المختلفة، فترفع إليه في كتاب، ويرفع معها ما يحتج به كل قوم من سنة أو قياس، ثم نظر أمير المؤمنين في ذلك وأمضى في كل قضية رأيه الذي يلهمه الله، ويعزم له عليه، وينهي عن القضاء بخلافه، وكتب بذلك كتابا جامعا، لرجونا أن يجعل الله هذه الأحكام المختلطة الصواب بالخطأ حكما واحدا صوابا، ورجونا أن يكون اجتماع السير قربة لإجماع الأمر برأي أمير المؤمنين وعلى لسانه، ثم يكون ذلك من إمام آخر، آخر الدهر إن شاء الله.» «فأما اختلاف الأحكام فإما شيء مأثور عن السلف غير مجمع عليه، يدبره قوم على وجه، ويدبره آخرون على وجه آخر، فينظر فيه إلى أحق الفريقين بالتصديق، وأشبه الأمرين بالعدل، وإما رأي أجراه أهله على القياس فاختلف وانتشر ما يغلط في أصل المقايسة، وابتداء أمر على غير مثاله، وإما لطول ملازمته القياس، فإن من أراد أن يلزم القياس ولا يفارقه أبدا في أمر الدين والحكم وقع في الورطات، ومضى على الشبهات، وغمض على القبيح الذي يعرفه ويبصره، فأبى أن يتركه كراهة ترك القياس، وإنما القياس دليل يستدل به على المحاسن، فإذا كان ما يقود إليه حسنا معروفا أخذ به، وإذا قاد إلى القبيح المستنكر ترك؛ لأن المبتغي ليس غير القياس يبغي، ولكن محاسن الأمور ومعروفها، وما ألحق الحق بأهله.»

والأرجح أن هذه الرسالة أثرت في المنصور فكانت له يد طولى في سبيل التدوين، فحمل الفقهاء والمحدثين على تدوين ما وصل إليهم، فأصبح للناس مراجع معتمدة يرجعون إليها، وقلت الفوضى بعض الشيء، ودخلت الأحكام في نظام. روى ابن سعد في الطبقات عن مالك بن أنس قال: لما حج المنصور قال لي: قد عزمت على أن آمر بكتبك هذه التي وضعتها فتنسخ، ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين منها نسخة وآمرهم أن يعملوا بما فيها، ولا يتعدوه إلى غيره، فقلت: يا أمير المؤمنين لا تفعل هذا، فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم، ودانوا به، فدع الناس وما اختار أهل كل بلد منهم لأنفسهم. ا.ه.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ١٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ١٥٧