لما قدم مروان
10
مصر سأل عن القاضي فقيل: هو عابس بن سعيد فدعاه، فقال: «أجمعت القرآن؟ قال: لا. قال: فتفرض الفرائض؟ قال: لا. قال: فتكتب بيدك؟ قال: لا. قال: فبم تقضي؟ قال: أقضي بما علمت، وأسأل عما جهلت. قال: أنت القاضي.» و«كانت
11
القراءة والفقه والتفسير والحديث في أول الإسلام علما واحدا، فجعلت تتميز على توالي الأيام، إلى أن أصبح كل علم مستقلا عن أخيه، فلما استقل الفقه سمي أصحابه الفقهاء، وكانوا قبلا يسمون بالقراء، تعظيما لشأن القراءة التي كان يجهلها العرب في أول أمرهم.» ولما تم تأثير الصحابة ومن بعدهم من التابعين وتابعي التابعين في البلدان التي نزلوها «أتى بعد
12
التابعين فقهاء الأمصار كأبي حنيفة ومالك وغيرهما، فاتبع أهل كل مصر مذهب فقيهه في الأكثر، ثم قضت أسباب بانتشار بعض هذه المذاهب في غير أمصارها، وبانقراض بعضها، فلم يطل العمل بمذهب الثوري والبصري لقلة أتباعهما، وبطل العمل بمذهب الأوزاعي بعد القرن الثاني، وبمذهب أبي ثور بعد الثالث وابن جرير بعد الرابع، كما انقرض غيرها من المذاهب، إلا الظاهري فقد طالت أيامه وزاحم الأربعة، بل جعله المقدسي في أحسن التقاسيم رابع المذاهب في زمنه، أي في القرن الرابع بعد الحنبلي، وذكر الحنبلية في أصحاب الحديث، وعده ابن فرحون في الديباج الخامس من المذاهب المعمول بها في زمنه، أي في القرن الثامن، ثم درس بعد ذلك ولم يبق إلا الأربعة، ومذاهب أخرى خاصة بطوائف من المسلمين لا يعدها جمهورهم من مذاهب أهل السنة.» وتأصل مذهب مالك والشافعي وابن حنبل وأبي حنيفة بسلطان تلاميذهم وأنصارهم، وراح كل ملك يحرص على نشر مذهبه، إذا مكن له في الأرض، بادر الناس إلى الأخذ بمذهبه، وحرصوا على اتباع ملكهم أو أميرهم حرصهم على اتباع إمامهم. يقول ابن حزم: إن مذهبين انتشرا في بدء أمرهما بالرياسة والسلطان: الحنفي بالمشرق، والمالكي بالمغرب.
والاختلاف بين أهل هذه المذاهب لا يتعدى الفروع، أما الأصول فكل أهل القبلة متفقون عليها. ويقول ابن القيم: إن الصحابة تنازعوا في كثير من الأحكام ولكن لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال، أي المسائل التي تتعلق بالإيمان، وصرح الذهبي
13
أن بعض الصحابة كفر بعضهم بتأويل ما، والله يرضى عن الكل ويغفر لهم فما هم بمعصومين، وإن الصحابة بساطهم مطوي وإن جرى ما جرى وإن غلطوا كما غلط غيرهم من الثقات، فما كاد يسلم أحد من الغلط، لكنه غلط نادر لا يضر أبدا؛ إذ على عدالتهم وقبول ما نقلوه العمل، وأما التابعون فيكاد يعدم فيهم من يكذب ولكن لهم غلط وأوهام، وكان المسلمون كلمة واحدة في أبواب العدل
14
والتوحيد والوعد والوعيد وفي سائر أصول الدين، وإنما كانوا يختلفون في فروع الفقه كميراث الجد مع الإخوة، والأخوات مع الأب، والأم مع الأب، وكمسائل العدل والكلالة والرد وتعصيب الأخوات من الأب والأم، أو من الأب مع البنت أو بنت الابن، وكاختلافهم في جر الولاء وفي مسألة الحرام ونحوها، وأهل السنة والجماعة من فريقي الرأي والحديث وفقهاء هذين الفريقين وقراؤهم ومحدثوهم، ومتكلمو أهل الحديث منهم، كلهم متفقون على مقالة واحدة في توحيد الصانع، وفي النبوة والإمامة، وفي أحكام العقبى، وفي سائر أصول الدين، وإنما يختلفون في الحلال والحرام من فروع الأحكام.
ولقد خالف ابن عباس عمر وعليا وزيد بن ثابت وكان أخذ عنهم، وخالف كثير من التابعين بعض الصحابة وإنما أخذوا العلم عنهم، وخالف مالك كثيرا من أشياخه، وخالف الشافعي وابن القاسم وأشهب مالكا في كثير من المسائل. قال ابن الأزرق وكان مالك أكبر أساتيذ الشافعي وقال: لا أحد أمن علي من مالك كاد كل من أخذ العلم عنه يخالفه بعض تلامذته في عدة مسائل، وما عد ذلك من سوء أدب التلميذ مع شيخه ولا من الخروج عن مراجعة الحق الذي توزعته عقول الناس، ونال كل منهم قسطا منه.