5
أحكام علي وفتاويه، ولكن الشيعة أفسدوا كثيرا من علمه بالكذب عليه؛ ولهذا تجد أصحاب الحديث من أهل الصحيح لا يعتمدون من حديثه وفتاواه إلا ما كان من طريق أهل بيته، وأصحاب عبد الله بن مسعود كعبيدة السلماني وشريح وأبي وائل ونحوهم.»
والواقع أن الصحابة كانوا يعملون «بمقتضى
6
ما يغلب على ظنونهم من المصلحة، ولم يقفوا مع موارد النصوص حتى اقتدى بهم الفقهاء من بعد، فرجح كثير منهم القياس على النصوص حتى استحالت الشريعة وصار أصحاب القياس أصحاب شريعة جديدة.» (كذا) وقد كان رسول الله يخالف فلا ينكر، ولا يرى بأسا فيما كان به مصلحة لله والملة؛ فقد خالفه عمر في أخذ الفداء من أسارى بدر فرجع إلى تصويب رأيه، وأراد الرسول أن يصالح الأحزاب على ثلث تمر المدينة فيرجعوا عنه فأتى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فخالفاه فرجع إلى قولهما، وقال لأبي هريرة: اخرج فناد في الناس: من قال لا إله إلا الله مخلصا بها قلبه دخل الجنة، فخرج أبو هريرة فأخبر عمر بذلك، فدفعه في صدره حتى وقع على الأرض، فقال: لا تقلها فإنك إن تقلها يتكلوا عليها ويدعوا العمل، فأخبر أبو هريرة الرسول بذلك، فقال: لا تقلها ودعهم يعملون، وأسقط الصحابة سهم ذوي القربى وسهم المؤلفة قلوبهم، وعملوا حد الخمر اجتهادا ولم يحد الرسول شاربي الممر، وقد شربها الجم الغفير في زمانه بعد نزول آية التحريم.
يقول السرخسي: إن «مرجع
7
الناس في أمر دينهم ودنياهم كتاب الله وسنة رسوله، فإذا اشتبه عليهم أمر من الأمور رجعوا إلى الخلفاء وفقهاء الصحابة واستخاروا الله فيه، واستظهروا باجتهادهم رأيا عملوا به، وقد كانوا لا يكتبون أقوال النبي وفتاوي الصحابة خشية أن يجرهم ذلك إلى الاعتماد على الكتب، وإهمال حفظ القرآن الكريم والسنة، ولأن الكتاب عرضة للضياع وللتصحيف والتحريف.» ولما «تعددت المذاهب وكثرت الأقوال والفتاوى، والرجوع فيها إلى الرجال والرؤساء، ومات أكثر الصحابة، فخافوا أن يعتمد الناس على رؤسائهم ويتركوا سنة رسول الله فدونوا الحديث.»
وحفظت الفتوى
8
من أصحاب الرسول عن مائة ونيف وثلاثين نفسا ما بين رجل وامرأة والمكثرون منهم سبعة؛ عمر وعلي وابن مسعود وعائشة وزيد بن ثابت وابن عباس وابن عمر . وكان الناس في عصر التابعين يكرهون الخوض بالرأي ويهابون الفتيا والاستنباط إلا لضرورة لا يجدون عنها بدا، وكان أكبر همهم رواية الحديث، واختلفت مذاهب الأصحاب وأخذ عنهم التابعون كذلك كل واحد ما تيسر له، فحفظ ما سمع من الحديث ومذاهب الصحابة وعقلها وجمع المختلف على ما تيسر له، ورجح بعض الأقوال على بعض، واضمحل في نظرهم بعض الأقوال، فعند ذلك صار لكل عالم من علماء التابعين مذهب على حياله، والقول بمذهب الواحد من الناس، واتخاذ قوله والحكاية له والتفقه على مذهبه، لم يكن معهودا للناس في القرنين الأول وصدر الثاني، ثم حدث فيهم شيء من التخريج ولم يكن أهل المائة الرابعة مجتمعين على التقليد الخالص على مذهب واحد والتفقه له والحكاية لقوله، وكان لا يتولى القضاء ولا الإفتاء إلا مجتهد ولا يسمى الفقيه إلا مجتهدا.
وكان الخلفاء الراشدون أئمة مهديين فقهاء في الأحكام،
9
مستقلين بالفتاوى في الأقضية، فكانوا لا يستعينون بالفقهاء إلا نادرا في وقائع لا يستغنى فيها عن المشاورة، فتفرغ العلماء لعلم الآخرة وتجردوا إليها، وكانوا يتدافعون الفتاوى، وما تعلق بأمور الخلق في الدنيا، فلما أفضت الخلافة إلى أقوام تولوها بغير استحقاق، ولا استقلال بعلم الفتاوى والأحكام، اضطروا إلى الاستعانة بالفقهاء، وإلى استصحابهم في جميع أحوالهم، لاستفتائهم في أحكامهم، وكان قد بقي من علماء التابعين من هو مستمر على الطراز الأول، مواظب على سمت علماء السلف، فكانوا إذا طلبوا هربوا وأعرضوا، فاضطر الخلفاء إلى الإلحاح في طلبهم لتولي القضاء والحكومات، وكانوا يستقضون أنفذ الناس وأعلمهم وأحلمهم، والذين كانوا يتدافعون الفتاوى، ويتحرجون من تولي الأحكام الشرعية، كان مرماهم أن يربأوا بدينهم عن أن يتورطوا في حكم لا ترضى عنه أنفسهم، ويخافون مغبته على الإسلام والمسلمين؛ لما ورد عن الشارع الأعظم من الوعيد لمن جعل قاضيا، وحكم بغير العدل. وكان القضاة لا يستغنون أن يجلس إليهم بعض العلماء يقومونهم إذا أخطأوا.