تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان الشيخان يسألان أصحابهما إذا أرادا أن يبتا برأيهما في أمر أشكل عليهما، وكتب عمر إلى قاضيه شريح: «أما بعد إذا جاءك شيء في كتاب الله فاقض به، ولا يلفتنك عنه الرجال، فإن جاءك أمر ليس في كتاب الله، فانظر سنة رسول الله فاقض بها، فإن جاءك أمر ليس في كتاب الله ولم يكن في سنة من رسول الله، فانظر ما اجتمع عليه الناس فخذ به، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يكن فيه سنة من رسول الله، ولم يتكلم فيه أحد قبلك، فاختر أي الأمرين شئت، إن شئت أن تجتهد رأيك وتقدم فتقدم، وإن شئت أن تأخر فتأخر، ولا أرى التأخير إلا خيرا.» ا.ه. وأراد عمر قاضيه أن يترك أمدا للخصوم علهم يتصالحون، ومما أثر عنه قوله: «ردوا الخصوم حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يورث الضغائن بين الناس.»

ولعمر كتب كثيرة صدرت عنه في القضاء وغيره، ومما أبقته الأيام كتابه إلى أبي موسى الأشعري (عبد الله بن قيس) وإليكه بنصه المعجب الذي لم تبل الأيام جدته: «بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس، سلام عليك، أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة، فافهم إذا أدلي إليك، وأنفذ إذا تبين لك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، آس بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك، البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما، أو حرم حلالا، ولا يمنعنك قضاء قضيته بالأمس فراجعت فيه عقلك، وهديت لرشدك، أن ترجع إلى الحق، فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل. الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك، مما ليس في كتاب ولا سنة، ثم اعرف الأشباه والأمثال، وقس الأمور عند ذلك بنظائرها، واعمد إلى أقربها إلى الله وأشبهها بالحق، واجعل للمدعي أمدا ينتهي إليه، فإن أحضر بينته أخذت له بحقه، وإلا استحللت عليه القضية، فإنه أنفى للشك وأجلى للعمى، المسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجلودا في حد، أو مجربا عليه شهادة زور، أو ظنينا في ولاء أو نسب، فإن الله تولى منكم السرائر، ودرأ بالبينات والأيمان. وإياك والغلق

2

والضجر والتأذي بالخصوم، والتنكر عند الخصومات، فإن الحق في مواطن الحق يعظم الله به الأجر، ويحسن به الذخر، فمن صحت نيته وأقبل على نفسه، كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تخلق للناس بما يعلم الله أنه ليس من نفسه، شانه الله، فما ظنك بثواب الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته والسلام.»

وكتب إلى أبي عبيدة: «أما بعد فإني كتبت إليك بكتاب لم آلك ونفسي فيه خيرا، الزم خمس خلال يسلم لك دينك، وتحظ بأفضل حظك: إذا حضرك الخصمان فعليك بالبينات العدول، والأيمان القاطعة، ثم أدن الضعيف حتى ينبسط لسانه، ويجترئ قلبه، وتعاهد الغريب فإنه إذا طال حبسه ترك حاجته، وانصرف إلى أهله، وإذا الذي أبطل حقه من لم يرفع به رأسا، واحرص على الصلح ما لم يتبين لك القضاء والسلام عليك.» وكتب إلى معاوية وغيره بهذا المعنى.

فعمر هو الذي وضع أساس النظم الإسلامية في القضاء ونهج طريقه، وبقدر ما يحدث للناس من حوادث كانت تتفرع المسائل، ولكنه «لم يوضع

3

للتشريع أسلوب مقرر لا يجوز تعديه، فترك لكل ناظر الخيار في انتخاب أسلوبه، فلذلك تخالفت أساليبهم إلى حد بعيد، وأشد ما تكون تخالفا بين أصحاب الرأي والقياس، وكانوا يرون أن القياس أولى بالاتباع من الأحاديث التي رواتها الآحاد، ولم يصح عندهم من الأحاديث التي رواتها جماعة، أي المتواترة التي لا عذر لأحد في الشك فيها، إلا بضعة عشر حديثا.» وذم علي بن أبي طالب اختلاف العلماء

4

في الفتيا بقوله: «ترد على أحدهم القضية في حكم من الأحكام فيحكم فيها برأيه، ثم ترد تلك القضية بعينها على غيره فيحكم فيها بخلافه، ثم يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الذي استقضاهم فيصوب آراءهم جميعا، وإلههم واحد، ونبيهم واحد وكتابهم واحد.» وقال في صفة من يتصدى للحكم بين الأمة وليس لذلك بأهل: «وإن أظلم عليه أمر اكتتم به، لما يعلم من جهل نفسه، تصرخ من جور قضائه الدماء، وتعج المواريث»، «وانتشرت

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ١٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ١٥٤