تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأدت الحرية الشخصية بالسلطة الأبوية في بعض البيوت إلى الارتخاء، فكان في الماضي الإفراط في هذا المعنى وصار اليوم التفريط، وضعفت سلطة الأب على ابنه وابنته بالنسبة، وضعفت معها الشفقة والرحمة والكرامة، وأصبح كل أمر يقاس بمقياس الماديات، ولا يسأل الرجل من أين اكتسب ماله، إذا اجتمع له مال؛ لأن المعنويات قلما تكون ذات شأن في نظرهم، وإنما الشأن كل الشأن للماديات، وقضت الحضارة على من قبلوها أن يجدوا ويسرعوا، إن أمكن بقوة البخار والكهرباء والأثير، وكان الناس منذ قرن على تؤدة وتأن وصبر لا تشاهده في أهل هذا الجيل؛ ولذا رأينا التشاؤم أكثر من التفاؤل في كل بلد، والقناعة والرضى أقل من الشراهة والطمع، وأمسى كل صعلوك يحاول أن يغتني بين عشية وضحاها، بأي الطرق التي تفتح أمامه، وكثر حب الظهور بل الجنون فيه، وتبع ذلك البذخ والتفخل والإسراف، بحيث يتعذر التوازن بين الدخل والخرج، فكان في ذلك خراب بيوت كانت عامرة لولا التقليد المصطنع، والعادات المستحدثة، وكثرت بذلك السويداء والماليخوليا والخبل وضعف الأعصاب وفقر الدم والسل. كانت الرفاهية في الأيام الماضية مقصورة على قصور الملوك والأمراء، فشارك فيها اليوم أهل الطبقات الثانية والثالثة، وكان للمجتمع في الشرق عادات مستحسنة من جمال الألفة، وحسن العشرة، وصحة العهد والوفاء، وقوة الإيمان ومعرفة الجميل، فعرا هذه الصفات بعض الفتور خصوصا في البيئات التي اقتبست مدنية الغرب بعجرها وبجرها، وبعبارة ثانية إن الناس انغمسوا في الأثرة، وكانوا من قبل أميل إلى الإيثار.

هذه جريدة بما لقفناه عن الغرب، ذكرنا فيها الحسنات وأتبعناها بالسيئات، وربما كان فيها بعض النقص غفلنا عنه بخيانة الذاكرة، أوردنا منها ما أوردناه على سبيل الذكرى لننصف غيرنا وننتصف منهم.

| العلوم والمذاهب في الإسلام

أصول الشريعة وتأسيس المذاهب

كان خاصة الصحابة علماء بالشريعة، أخذوا علمهم عن الشارع الأعظم، فتعلموا القرآن، وتلقنوا السنة بطول الاختلاط بصاحبها، أو بالرواية الصحيحة عن ثقات الناقلين عنه، والقرآن معدن الأحكام، وهو المرجع الوحيد الذي لا يختلف فيه اثنان من أهل القبلة، والسنة مفسرة له، وهي مجموع ما صدر عن الرسول

صلى الله عليه وسلم

من قول، أو عمل، أو تقرير، والعبادات تعلم بالعمل يعرفها الخاص والعام، وإذا أشكل فيها أو في المعاملات شيء رجع إلى العارفين من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين والقضاة الذين يوليهم الخليفة، وكانوا يدعون القضاء حكومة.

كانوا إذا عرض لهم حادث يضطرون إلى القضاء فيه، يحكمون العقل واللغة لتفهم الشرع واستنباط ما لا يجدون فيه نصا صريحا، ولا معول لهم إذا اختلفوا في شيء على غير هذين الأصلين الكتاب والسنة، وكان الممتازون من الصحابة وغيرهم في هذا الضرب من العلم يعرفون أنفسهم ويعرفهم الناس، وهم المرجع في القضاء والفتيا بين المؤمنين، في مصالحهم الدينية والدنيوية، يبعث الرسول ثم الخلفاء من بعده بأقضى القراء إلى الأمصار، يحكمون بين الناس ويعلمونهم دينهم. ولم تخل بلدة من البلاد التي دخلها الإسلام من نزول بعض الصحابة المدركين فيها، كانوا لأهلها منارا، وعلى الشريعة أمناء، وفي الدعوة إلى الدين مؤمنين صادقين، يقرءون القرآن، ويعلمون الشرائع والأحكام، وإذا لم يجدوا نصا صريحا في القرآن، ولا نصا معتمدا من السنة، يعمدون إلى القياس أو الرأي.

يقول ابن تيمية:

1

ما من مسألة إلا وقد تكلم فيها الصحابة أو في نظيرها، فإنه لما فتحت البلاد وانتشر الإسلام حدثت جميع أجناس الأعمال، فتكلموا فيها بالكتاب والسنة، وإنما تكلم بعضهم بالرأي في مسائل قليلة، والإجماع لم يكن يحتج به عامتهم ولا يحتاجون إليه؛ إذ هم أصل الإجماع فلا إجماع قبلهم. ثم ذكر كيف كان التابعون يقضون بالكتاب والسنة وبما قضى به الصالحون، قال: وهذا هو القضاء وهذا هو الصواب. ولما بعث الرسول معاذ بن جبل إلى اليمن قال له: «بم تقضي إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بما في كتاب الله. قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: أقضي بما قضى به الرسول. قال: فإن لم يكن فيما قضى به الرسول؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو. قال: فضرب صدري وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله.»

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ١٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ١٥٣