وكان من تعليم رجالنا أن سمت بهم الهمم إلى إدخال الأنظمة الجديدة على مدارسنا الدينية الكبرى، والتي تقدمت غيرها في قبوله كانت لها الشهرة الطائرة، وعموم النفع للإسلام والعرب، تخرج علماء حقيقيين منورين، وكانت من قبل تخرج علماء نظريين جامدين، وكلما ارتقى أسلوب التعليم وثقف الخاصة لغات الغرب زادت اللغة العربية رشاقة، حتى كاد كتاب مصر وما إليها من الأقطار العربية يرجعون إلى العربية نضرتها القديمة.
أخذ الغربيون عن العرب كل ما نفعهم يوم نهضتهم من ضروب المعارف البشرية، وها هم اليوم يعيدون إلينا شيئا مما تعلموه من أجدادنا، وزادوه بعلمهم وبارتقاء الزمن وتداول الأيام، وهذه سنة المدنيات التي درجت عليها أجناس البشر، والعالم فريسة العامل، ومن كدح ربح: تقلبت على الحضارة أيد كثيرة منذ دون تاريخها، واليوم وصلت إلى هذا المظهر الباهر، ولا غضاضة على المتأخر إذا أخذ عن المتقدم.
سيئات الغرب في البلاد العربية
ولا يفوتنا النظر، وقد بلغ بنا نفس الكلام إلى هذا الحد، أن نعرض لما حوته المدنية الغربية من المساوئ، بعد أن ألممنا بما حملت من عظيم المحاسن، ولكل مدنية سيئات تندمج في مطاوي الحسنات، وقد لا يكون الخير تاما والشر تاما، وكان علينا أن نقتصر على اقتباس النافع ونتحامى الضار، والظاهر أن المدنية وحدة لا تتجزأ من أخذ بخيراتها، لا بد أن يستهدف لشرورها طوعا أو كرها، وما هذه السيئات بالذي أقره عقلاء الغرب، دعاة الحضارة الحديثة.
يقول قاسم أمين:
13 «إن أهل أوروبا يقسمون إلى ثلاث طبقات كسائر الأمم: عليا ووسطى ودنيا، فالدنيا؛ أكبر حظها من التربية معرفة القراءة والكتابة وقليل من مبادئ العلوم، وهم في أخلاقهم الشخصية أشد فسادا من عامتنا في أخلاقهم. وأما الطبقة العليا: فتصيب حظا عظيما من التربية الفعلية، ولكن يغلب عليها ما يغري به الغنى والبطالة، وتستولي عليها الشهوات؛ فهم يتفننون في اللذائذ، تفنن أهل الجد في الاختراعات والصنائع، قال: وهذا الفساد مما تتحمله المدنية الغربية وتصبر عليه؛ لأنها لا تستطيع محوه ، فإن هذه المدنية مؤسسة على الحرية الشخصية، مضطرة لأن تقبل ما يتبع هذه الحرية من الضرر، فإنها تعلم أن منافعها أكثر من مضارها، ووجود الفساد في الغرب إنما هو لاحق طبيعي من لواحق الحرية الشخصية، ونتيجة من نتائجها، في الطور الأدبي الحالي الذي توجد فيه تلك البلاد الآن، قال: وهذا الفساد في الأمم الغربية لم يضعف فيهم الفضائل من بذل الأنفس والأموال في سبيل تعزيز الوطن أو الدفاع عنه، فأدنى رجل في الغرب كأعلى رجل فيه، إذا دعا داع إلى هجوم، أو قيام لدفاع أو إلى عمل نافع؛ يترك جميع لذائذه وينساها، وينهض لإجابة الداعي، ويخاطر بنفسه، ويبذل ماله إلى أن يتم للأمة ما تريد. وأما الطبقة الوسطى: فلا ريب أنها أرقى من التي تقابلها عندنا.» ا.ه. قلنا: وهذه الأخلاق الأخيرة هي التي يدعو إليها رجال الإصلاح الاجتماعي في بلادنا.
ولقد هجمت علينا المدنية الغربية بأصناف من المسكرات والمخدرات، كان أجدادنا لا يعرفونها، وعاشوا بدونها قرونا في هناء وراحة، وكان يقتصر من يعاقرون الراح سرا، وهم قلائل جدا، على ما تنتج البلاد من خمور، وضررها على الجملة أخف من مضار الغول الجديد. وهكذا الحال في عامة المخدرات كالمورفين والكوكايين والهرويين التي جاءت مع القرن الماضي، فأضعفت العقول وقتلت الأنفس، وفتح التوسع في الحرية أبواب العهر والفجور والإسراف على النفس، فأنشأ الفحش يمارس تحت سمع القانون وبصره، وزادت الأمراض السرية، وتعطل التناسل في بعض الرجال والنساء. ثم انتشر القمار على اختلاف صوره، ومنه المضاربات وألعاب النصيب، وكان الناس في غابر الأيام يقنعون بالرزق المحلل، يأتيهم من أعمالهم الصناعية والزراعية والتجارية، لا يغامرون هذه المغامرات التي يردها العقل.