بفضل المدارس والصحف السيارة ودور التمثيل وبيوت الغناء وأسطوانات الحاكي، وإذاعات «الراديو» أصبحت الفصح من الألفاظ العربية في ألسن الناس، وعلى أقلامهم ومكتوباتهم، كأنها من المتعارف، وظهر فينا رجال نقرأ أعمالهم في كتبهم ورسائلهم وخطبهم وأعمالهم فنعجب بها، وكثر في أبنائنا رجال القانون والإدارة والجندية والطب والهندسة والزراعة والكيمياء والطبيعة والفلك والاجتماع والاقتصاد والتاريخ والجغرافيا والشعر والكتابة والأدب والتصوير والموسيقى والنحت والنقش والطيران، ومنهم من لا يقل عن أرقى الطبقات أمثالهم في الغربيين، ولا يفرقون عن النابهين من الرجال عند الأمم الممدنة، إلا بفروق مرجعها إلى المحيط، الذي يعلو كل حين مستواه.
يعترف
12
الشرق العربي بصنيع علماء الغرب لمعاونتهم له على إحياء مدنيته، فقد أنشأوا منذ القرن الرابع عشر للميلاد مدارس لتعليم العربية في جامعاتهم، وكلما كان بعض أبنائه يتلقفونها، كانوا يفكرون في اقتناء كتب العرب، ويتنافسون في ذلك تنافسهم في الاحتفاظ بالآثار التي هي محصول القرائح العربية. ولما اخترعت الطباعة كانت المخطوطات العربية أول ما طبع في بلاد الغرب، وأول مطبعة أنشئت في مدينة فانو في جون البنادقة (بحر الأدرياتيك) سنة 1514م طبع فيها القرآن وكتب الطب والحكمة والطبيعة باللغة العربية، وفي مدينة البندقية طبع الإيطاليون تآليف يوحنا بن ماسويه في الطب والفلسفة، ومثلوا بالطبع قانون ابن سينا في الطب مع كتاب النجاة في رومية، وذلك سنة 1593. وفي سنة 1615م بدأ الهولنديون في مدينة ليدن بطبع كتب العرب، وما زالوا إلى اليوم يطبعون من أمهاتها كل مفيد. وقد أنشأت معظم الأمم الأوربية والأميركية مطابع عربية طبعت عليها عشرات من كتب العرب النفيسة، ودلوا قومهم وغير قومهم على فضل العرب، ونوهوا بحضارتهم ونبوغ أفرادهم، كانوا يأتون ذلك والعرب يغطون في سباتهم غطيطا غريبا، تحت ظل خلفاء العثمانيين ودولتهم المباركة! وبينا كانت العربية توشك أن تدخل في دور الانقراض في مصر والشام والعراق، دع سائر الأقطار العربية الأخرى، كانت أوروبا لا تخلو جامعة من جامعاتها منذ القرن السادس عشر من إلقاء دروس عربية، وأبحاث في مدنية الإسلام.
جمع الإفرنج في كل دولة صغيرة كانت أم كبيرة، خزائن عامة أو خاصة فيها نفائس الكتب العربية المخطوطة، عنوا بها أشد عناية ورتبوها ونشروا فهارسها، ولا تقل كتبنا التي احتفظوا بها في خزائنهم عن مائتين وخمسين ألف مجلد، نشروا منها بالطبع جزءا من الأسفار الدينية والفلسفية والتاريخية والجغرافية والعلمية والأدبية واللغوية وغيرها مما لا يقل عن خمسمائة مجلد، ونحن لم نعرف بعد الطبع بالحروف، مجتزئين بطبع الحجر السقيم. وفي خزائن الكتب العمومية والخصوصية في الآستانة ومصر من المخطوطات العربية ما لا يقل بعدده عما عند أهل أوروبا منها، ولم يطبع منها غير مصنفات قليلة، ومنها التافه الذي قصدوا به التجارة لا خدمة العلم، كما كان منزع علماء المشرقيات من الغربيين، وجاء القرن التاسع عشر ولم يطبع منها غير بضعة كتب نافعة. فبفضل الغرب عرفنا الطبع، وعرفنا فضل أجدادنا، وتعرفنا إلى الطرق الموصلة إلى إحياء كتبنا، ولكن طالت مدة تعليمنا أكثر من مائتي سنة.
وعن علماء الغرب اقتبسنا أساليب الاستفادة مما أملته قرائح الأسلاف، وأبقته الأيام من تراثهم الثمين، على نحو ما كان لهم الفضل في البحث عن دفائن بلادنا، ونبش عادياتها ومصانعها القديمة، فاهتدينا إلى معرفة آثار أرضنا وتاريخها وعظمتها السالفة، وعرفنا لغات الأقدمين ممن سكنوا ديارنا قبلنا، وتعلمنا كيف نحتفظ بآثارنا الثابتة والمنقولة ، ونعنى بتركة أجدادنا ونحترمها ونقدسها ونولع بها.