وتعلمنا تمديد الخطوط الحديدية، وفتح الأنفاق وبناء الجسور والطرق والمرافئ، والخزانات والمنائر وحفر الآبار الارتوازية، وإقامة الدور ذات الطبقات الكثيرة، وتوليد الكهرباء ومد أسلاكها وإنارة المدن والقرى بها، وتسيير عجلاتها في الحواضر والضواحي، ووضع البريد الجديد والبرق والهاتف واللاسلكي والسلك البحري ثم الراديو، وتنظيم المدن والبلديات، وفتح الشوارع والساحات، ورصف الطرق وتذليل العقبات، وجر المياه النقية في قساطل ومناهل، وتجفيف الأصقاع المستنقعة، وتخفيف ويلات أمراض العين، وكان يعمى بها طوائف من الناس.
واقتبسنا أصول الجندية، وتنظيم المراكب البخارية، وتدوين الدواوين، وأسلوب الجباية، وإدارة المصارف والجمارك، وأبدلنا أساليب التجارة بأساليب الغرب القريبة المأخذ، المضمونة النتيجة، وما عرفنا من قبل المصارف ولا المصافق، ولا السفاتج والحوالات المالية، ولا الشركات المساهمة والمضاربة والمغفلة، ولا كل ما يسهل على التاجر عمله، وعلى الصانع صناعته، ويوفر للناس أموالهم وكأن الأدوات والآلات هي خاصية من خاصيات المدنية الحديثة، لتفرد الغرب بالفحم الحجري وضروب المعادن، ومن أهمها الحديد؛ ولأن الأخصاء في العلوم جرى تطبيقه على الصناعات عندهم.
ومن الغربيين أخذنا أساليب الدعوة والإعلان، وطرق المفكرات والجزازات والإحصاءات، بله تأليف المؤتمرات والمؤامرات، واستخدام المعاصر والمحالج والمغازل والمناسج والمطافئ والمدافئ والمضخات، ونسجنا على أساليبهم في إنشاء الجمعيات الخيرية، والأحزاب السياسية، والشركات الصناعية، وإقامة حدائق لتربية الحيوانات، ومغارس لتربية النباتات والأزهار والأشجار، واستفدنا مسائل أخرى كثيرة نجهد لوضع أسماء تقابلها بالعربية، ولم تعرف من قبل إقامة المستشفيات والمصاح والملاجئ لليتامى والزمنى والصم والبكم والمسلولين والمعتوهين، على هذا الطراز من العناية والطهارة.
أبطل الغرب القرصنة
10
من البحار والأنهار، وقضى على الغزوات حتى من البراري والقفار، فأمن الغادون والرائحون والمبحرون والمقفرون
11
على أرواحهم وأموالهم، وحرر الرقيق فكان ذلك من موجبات فخره، وأزال بذلك وصمة عار عن الإنسانية، وأبطل النخاسة، وكانت أفظع تجارة وأحط عمل شائن في استعباد البشر. علم الغرب السود حتى ألحقوا بالبيض، ودرب الحيوان حتى قام بكثير من أعمال الإنسان؛ فاستفاد من كل قوة ادخرتها الطبيعة، وانتفع من كفاءة كل كفء، وفضل كل قريحة في هذا المجتمع العظيم.
أثر الغربيون في أرواح الشرقيين وعقولهم من حيث يدرون ولا يدرون؛ وذلك بفضل ما يبثونه كل يوم من معارف جامعاتهم ومدارسهم وأنديتهم ومعاملهم ومخابرهم، وبفضل ما كشفوه واخترعوه وحققوه وصححوه من العلوم، وبثوه من الأفكار الجديدة وخاضوا عبابه من الموضوعات، فقلبوا بأوضاعهم أوضاعنا، وبدلوا بتصوراتهم أشكال تصوراتنا، وبدلوا من أساليب الفكر في رجالنا الدارسين وغير الدارسين؛ فتغيرت مادة أحاديثنا ودوافع أهوائنا، ولطفت أذواقنا، ولم يكن لذلك كبير أثر قبل اختلاطنا بهم، وتسهيل المواصلات بيننا وبينهم، وسنظل على الأخذ عنهم في معظم مطالب الحياة، حتى نستوي أمة ناهضة من كل وجه، على ما استوت اليابان الشرقية في القرن الماضي.
كانت الأمية غالبة على الكبير والصغير؛ يربى الأطفال في أماكن مظلمة نتنة لا شمس فيها ولا هواء يسمونها الكتاتيب أو المدارس، ثم هم يضربون بالعصي على رءوسهم ووجوههم وظهورهم وأرجلهم بدون شفقة، وبذلك يتعلمون للخلاص من هذا العذاب الاحتيال والحلف الكاذب، فأصبح الولد بتنظيم التعليم اليوم، يعرف من المواد ما لا يكاد يعرفه العالم أمس، واختصرت مراحل التهذيب، حتى لنرى في شبابنا اليوم من هم مفخرة بمعارفهم، ما رأى أجدادنا أمثالهم في عصورهم، وما كنا نسمع بمثل هذه المعارف تجتمع لفتى في الخامسة عشرة من عمره، ولا بالأطفال من البنين والبنات يربون في رياض الأطفال هذه التربية العملية الصحية، ولا بربات الحجال، ينافسن في التعليم العالي الرجال.