تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذا عرفنا هذا، فلا نكون إلى الغلو إذا ادعينا أن الفرق عظيم اليوم بين مصر والشام وتونس مثلا، وفيها تمازجت الحضارة الحديثة بالقديمة، وتوفر أهلها على الأخذ عن الغرب علمه وصناعته، وبين الحجاز ونجد واليمن، وسر ذلك كون أهل الجزيرة انقطعوا عن العالم المدني طوعا أو كرها، وقل اختلاطهم بالغربي، إلا في بعض سواحل البحر الأحمر والبحر المحيط الهندي وخليج فارس، وتجافت نفوسهم عن اقتباس ما جد عند الأمم من أساليب العلم والصنائع.

كان الوباء إذا انتشر في بلدة لا يبقي من سكانها ولا يذر، وفي الغالب أن يعقب الأوبئة قحط؛ لقلة العاملين في الحقول، فيهلك الناس بمئات الألوف، وكانت هذه الأمراض الوافدة، تحصد الأرواح في كل عقدين أو ثلاثة من السنين؛ فقد انتشر وباء في الشام أوائل النصف الثاني من القرن الخامس، وأعقبه قحط وإضاقة في العيش، مع ما هنالك من مظالم ومغارم لا يكاد يتصورها ابن هذا العصر؛ فأكل الناس الكلاب والسنانير والفيران، ثم أكل بعضهم بعضا، ونزل سكان دمشق إلى ثلاثة آلاف إنسان، وكانوا من قبل خمسمائة ألف. ومثل ذلك كان في مصر سنة 462ه أفنى القحط العظيم الناس، وأكل الإنسان الإنسان، وبلغ أردب القمح مائة دينار، وخرجت امرأة في القاهرة وبيدها مد جوهر، فقالت: من يأخذ هذا بمد قمح، فلم يلتفت إليها أحد، فألقته في الطريق وقالت: ما نفعتني وقت الحاجة فلا أحملك. قالوا والعجب أنه ما كان له من ملتقط. هكذا كانت حال الناس قبل أن يكشف الغرب الجراثيم، ويفيد بني الإنسان والعرب منهم، بهذا المكتشف العظيم.

كانت الأوبئة والطواعين والحميات والوبالة «الملاريا»، بل وجميع الأمراض الوافدة والأمراض العضالة كالكلب ونحوه، تهلك عشرات الألوف من الخلائق، ولا من يعرف دواءها، ولا من يفكر في تخفيف ويلاتها، ومنهم من يعزو ذلك إلى أسباب سماوية، يغضب الديان على الإنسان، فيرسل عليه هذه المهلكات، أو يقوى سلطان الجن على الإنس، فيأخذهم أخذ عزيز مقتدر، أو يحل بهم نكد الطالع، فتساورهم النقم، وتتخطاهم النعم، ولكم أفضل الغرب علينا بمطعوم الجدري، وكان يهلك به كل سنة جزء عظيم من الأطفال، وكم من عيون دعجاء به قلعت، ومن خدود جميلة ببثوره تشوهت.

عرف الغربيون

9

حقيقة البول السكري والصرع والتشنج وغيرها من الأمراض، فوصفوا لها الأدوية وأقاموا لها حواجز تحول دون آلامها وأخطارها فخفت وطأتها، ولطفوا بما اخترعوا ويلات الأمراض الزهرية والكزاز «تيتانوس» والخناق والنقرس الحاد، ووفقوا إلى إتقان فن الجراحة؛ فأفادوا الإنسانية وقللوا من أوجاعها، ورقوا الطب والصيدلة على اختلاف ضروبهما، ولو لم يكن لهم غير «الكينا وصبغة اليود» لكفى في خدمتهم الإنسانية. وانتفعوا ونفعوا بالكيمياء حتى تم لهم من التفنن فيها ما هو غريبة الأيام والليالي، وإذا نقلت أوروبا إلى آسيا وأميركا وجزء من إفريقية الحمى التيفوئيدية وبعض الأمراض الزهرية، فقد نقلت آسيا إلى أوروبا الكوليرا أو الهواء الأصفر، ومع هذا قاتلته أوروبا بعلمها وبحثها حتى قتلته وأخاه الطاعون.

تعلمنا طب الحيوان والدواجن، ومكافحة الحشرات، وكانت تعبث بالأشجار والنبات والزروع، واستفدنا أصنافا من البقول والأزهار والثمار لم يكن لنا بها عهد، وعرفنا طيورا ودجاجا وأسماكا جديدة، واستطعنا بالأخذ بالوسائط الجديدة القضاء على الجراد، ولطالما أقفر أقطارا وأفقر أمصارا، وتعلمنا استعمال الأسمدة الكيماوية والتفنن في تطعيم الغرسات، والاستكثار من المعرشات المبهجات، ومعالجة الآلات الحراثة والبذارة والحصادة والرجادة والدراسة والذراية بل والخياطة، وكل ما يقلل من عمل الأيدي، ويوفر على الخلائق راحتهم، ويقتصر لهم طرق الانتفاع بما تنبت الأرض وتجود السماء.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ١٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ١٤٩