ما أخذناه عن الغرب
من الغرب تعلمنا معنى الوطن والوطنية، وحب الجنس والقومية، وهذا شيء جديد لم يعهد للعرب مثله، بعد أن ذاق الناس الأمرين من ظلم الولاة، ومن داناهم ووالاهم قرونا طويلة، ولم يقدروا أن يغيروا أوضاعهم، بل ما وسعهم التفكير، في مثل هذا التغيير، أو في شيء يماثله لقيام أمر الجماعة، واسترجاع الحقوق المضاعة، ونقلنا عن الغرب بعض أوضاعه الاجتماعية والمدنية والسياسية كالمجالس النيابية والحكومات الدستورية، وأصبح الناس يوقنون أن بقاءهم مناط تضامنهم وتكاتفهم، وأن الشعب يقوى على إملاء إرادته، إذا كانت مادياته سليمة موفورة، وبقدر حظ الأمم من الماديات، تصح لها معنوياتها. وكان القوم من قبل يعجبون بكل ما هم فيه من علم وعمل، ولا يتوقفون اليوم مع هذا، عن نقد كل شيء بمنطق جيد أحيانا، فكثر النقادون، والنقد حياة المجتمعات.
تعلمنا من الغرب أصول الصحافة، وأنشأنا ننشئ صحفا تعنى بالأمور المالية والسياسية، وأخبار الدول والممالك، واقتبسنا إنشاء المجلات الدورية، ننقل أكثرها عن مجلات الغرب الفرنسية والإنجليزية، وننسج على منوالها، ونجود فيها النقل، ونلخص آراء الغرب ومذاهبه السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأدبية، ونترجم من الكتب العلمية والأدبية ما لم نكد نعرف اسم فنه من قبل، وكانت مصر المجلية في هذا المضمار، نشرت منها مئات بمعاونة حكومتها، وعناية أبنائها الذين اغترفوا من الينابيع الصافية في العلم الحديث، وكل بلد سبق في هذه السبيل وعلم أبناءه كمصر، كتب له التقدم على غيره من الأقطار، ولا عجب أن أصبحت مصر بعد جهاد جيلين من الناس، تشبه بعمرانها بعض الممالك الغربية الحديثة.
أثرت الصحافة في عقول من أدمنوا تلاوتها، ودخلت الأفكار الجديدة أوساطا ما كان يظن أنها تهتم بها وتستفيد منها، وبدلت من طرق التفكير، وأصول المعايش ونظام المجتمعات، وعلمت الناس ما لم يكونوا يعلمون، علمتهم بسائط في التاريخ والجغرافيا والاقتصاد والزراعة، وحال الأمم وسياسة السياسيين، ومجادلات المشرعين، واستعمار المستعمرين، وتدليس المدلسين، حتى غدا بعض من أطالوا تلاوتها وتفهمها، أرقى عقلا من كثير ممن كانوا يسمونهم بالخاصة منذ مائة أو مئتين من السنين. علمتهم أن لا قيام لأمرهم إلا بالقومية العربية، وأن الدين وحده لا ينجيهم مما هم فيه، وأن التساهل بأمور الدنيا يذهب بالدين والدنيا معا، فأقبلوا على المدارس والكتاتيب شاعرين بما هم عليه من النقص، والشعور بالعيوب أول مراتب الكمال.
كان الناس قبل سبعين أو ثمانين سنة يساق أولادهم إلى الكتاتيب في الديار الشامية بقوة الجند والدرك، وكان التعليم على عهد محمد علي في الديار المصرية
7
مكروها عند المصريين كرها شديدا، حتى إن الأمهات كن يفقأن عيون أولادهن حتى لا يدخلوا المدارس، بل اضطرت الحكومة المصرية في بعض أدوارها الأولى أن تتخطف تلامذة المدارس من الطرق وأفناء القرى كما يتخطفون عساكر الجيش،
8
فزاد إقبال المتعلمين على المدارس زيادة مستغربة وغدا أهل كل قرية، بل أهل كل قبيل من البوادي، يتطالون إلى تعليم أبنائهم بكل حيلة، دع سكان المدن، فإنهم من ذلك على حصة موفورة.
التمازج بالغربيين والانتفاع بما اخترعوه وكشفوه
لما اخترعت أوروبا البخار حوالي سنة 1830 وسهل السفر على الناس في قطارات البر وسفن البحر، زاد اختلاط الفرنج بالعرب، فزاد هؤلاء ثقافة، يحملها إليهم طلاب العلم وأرباب الرحلات والتجار، وسياح الغربيين وحجاجهم القاصدون إلى بلادنا، يزورون آثارها المدنية والدينية، ومنها ما تقدسه أمم الغرب النصرانية؛ لأنها موطن المسيح ومظهر عجائبه، ومنها ما يدهش له الغربيون كآثار الفراعنة أم المدنيات القديمة المعروفة في مصر، وكمصانع تدمر وبعلبك وجرش والبتراء في الشام، وآثار قرطاجنة وغيرها في إفريقية، وزاد هذا الاختلاط شدة لما صحت عزائم سكان جبال الشام على نزول أميركا طلبا للرزق (1876م)، وكان أهل أوروبا سبقوهم إلى نزولها منذ أكثر من ثلاثة قرون، أي استعمروا الأميركتين منذ فتحهما كريستوف كولمبس وفاسكودي جاما. ومن نصف قرن كان من لا يعود إلى بلاده بمال، يرجع إلى أهله بما اقتبس من بسائط المدنية؛ لأنه رأى في ذهابه وإيابه بلادا أرقى بعمرانها من بلاده، واختلط بجماعات أعلى كعبا في المدنية من جماعته.