وكان من محمد علي وطريقته المبتكرة في التمدين الذي أقبسه نبهاء أولاد مصر، كل ما قرب الأمة المصرية من المدنية الغربية، وكان وادي النيل بجميل صنعه المثال الحي الذي دل به العربي بصورة محسوسة، على أن ليس في دينه ما يحول بينه وبين الحضارة، وأنه حفيد أولئك الفاتحين إن نامت فيه زمنا جراثيم النهوض تدب فيها الحياة عند أقل محرك لها. وفي مصر أنشئت أول مدرسة لتعليم البنات سنة 1873م على عهد إسماعيل الذي أخذ من مدنية الغرب بالكبير والصغير، وفاخر بأن بلاده أصبحت قطعة من أوروبا بتمدنها، وكان الخديوي إسماعيل يشبه محمد علي كثيرا ويعنى بالتعليم عناية خاصة، وقد أنشأ
6
في أيامه مدارس ثانوية وغيرها ومنها دار العلوم التي خدمت اللغة أعظم خدمة.
كانت الحركة الأدبية المصرية مبدأ كل نور في الشرق العربي، استفادت منه البلاد المجارة بحكم الطبيعة، ولا سيما أبناء الشام، فإن منهم من درسوا في مدارس مصر، وتمصروا فخدموا البلاد التي هذبتهم، ومنهم من نقلوا قليلا من النور إلى بلادهم. ولما استولى محمد علي على بلاد الشام سنة (1247ه) ودام حكمه فيها تسع سنين، أثر بابنه إبراهيم ورجاله في إدارتها وتمدينها، ورأى الشاميون الفرق المحسوس بين حكم الترك وحكم أحد ولاتهم محمد علي، فمصر إذا هي التي بدأت تقتبس من نور العلم الصحيح، ومصر أدخلها من تخرجوا بعلم الغرب في دور ارتقاء لم يسبق له مثيل في بلاد العربية، ومصر هي التي ظهرت فيها آثار المعارف قبل أمها الدولة العثمانية، ومصر أثبتت استعدادها للأخذ بأساليب الارتقاء، وأنها كل ساعة مستعدة لقبول الخبر، لا تسأل عن مصدره ومصدره.
عمل الرهبان والقسيسين في الشرق العربي
وكان للغرب في هذا الشرق منذ زمن بعيد رهبان ومبشرون، ولا سيما في الأرض المقدسة من فلسطين وفي جبل لبنان من الساحل الشامي، يعلمون أبناء طوائفهم مبادئ العلوم باللغة القومية، مع إحدى اللغات الغربية ، وفيهم الإيطالي والفرنسي والأميركي والرومي والبروسي والإسباني والنمساوي والاسكتلندي وغيرهم. وزادت صلات الطوائف الباباوية في الشام مع رومية، وكانت منذ القرن السادس عشر مستحكمة، وفيه أسست للموارنة في عاصمة النصرانية مدرسة يتخرج فيها خدمة الدين في اللاهوت وغيره من العلوم، وكثر توافد الإنجيليين منذ سنة 1838م للدعوة إلى البرتستانتية، وأسسوا مطبعة عربية كانت لهم في مالطة أولا، يطبعون عليها الأناجيل بلغات مختلفة لنشرها في المشرق، ثم تبعهم اليسوعيون من الطوائف الكاثوليكية ينشئون مطبعة لهم، وجعل دعاة البرتستانتية والكثلكة من ثغر بيروت وما في ضواحيه من القرى مثل عبيه وعين طورا، أس حركاتهم الدينية والعلمية في الشرق القريب، يتنافسون بينهم، ويبثون في عقول الناشئة من غير أبناء المسلمين على الأكثر المبادئ التي رأوا فيها مصالح أممهم الدينية وغيرها، بما أقاموه من المدارس العالية والثانوية والابتدائية للذكور والإناث، وبعد أن كانت بيروت أشبه بقرية، سكانها بضعة آلاف فقط، أصبحت مدينة علم كبيرة يقصدها المتعلمون من القاصية، على نحو ما كانت اشتهرت أواخر عهد الرومان بمدرسة الفقه، تخرج قضاة للمملكة الرومانية.
هذا، والمسلمون قانعون بأن من أبنائهم من يتعلم في مدارس الدولة التي أنشأتها قرابة ذلك الزمن، لتخرج من أبناء البلاد ضباطا وموظفين لمعسكراتها وإداراتها، وبقدر ما كانت نفوس غير المسلمين تنصرف إلى التجارة والصنائع، كانت وجهة المسلمين تتجه نحو الآستانة تعلم أبناءهم شيئا من التركية، وبعض العلوم النظرية، فيكون منهم قادة وضباط وعمال ونواب، وكانت غاية التعليم العثماني تلقين الأفراد الاعتماد على الحكومة في كل شيء، والفناء في خدمة الوطن التركي، وكان تتريك العناصر على اختلاف أجناسهم ومدنياتهم من أهم ما تعمل له الدولة التركية ولا سيما في أواخر أيامها. وغاية التعليم المصري أو التبشيري تثقيف الناس بالعربية، والإلمام بإحدى اللغات الأوربية، أو العناية باللغة الأجنبية والأخذ بحظ قليل من العربية، مشفوعة بمبادئ علمية تنفع من يتلقنها في حياته ومعاشه، وكان الاحتلال الفرنسي في شمالي إفريقية، الجزائر وتونس ومراكش، والاحتلال الإنجليزي في مصر والسودان، ثم الاحتلال الإيطالي في طرابلس وبرقة، فزاد امتزاج العرب بالغربيين، وأخذ الناس يدركون نقصهم، ويسعون جهدهم ليقلدوا في منازعهم من تقدموهم في سلم الحضارة.