تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بدأ والي مصر منذ سنة 1813م يرسل الطلبة المصريين إلى أوروبا؛ فأوفد إلى إيطاليا طائفة لدرس الفنون العسكرية وبناء السفن وتعلم الهندسة وغيرها، ثم اتجه نظره إلى فرنسا فأرسل إليها زمرة صالحة، وبعث إلى إنجلترا بعض التلاميذ لتلقي فن الملاحة ومناسيب الماء وصرفه والميكانيكا، ثم جعل جل اعتماده على مدارس فرنسا في تخريج الطلبة، وصرف عليهم من سنة 1826 إلى 1847 «303360» جنيها، وغدا معظم الطلبة الذين تخرجوا بأساتذة الغرب من دعائم النهضة التي تم على يدها إنشاء مصر الحديثة، وأسس أول مدرسة للهندسة في سنة 1231ه/1816م ثم أسس مدرسة الطب إجابة لاقتراح الطبيب كلوت الفرنسي (1242ه/1827م)، وكان القائم مقام سيف الفرنسي الذي دان بعد بالإسلام وسمي سليمان (1819م) هو الذي نظم الجيش المصري، ونظم أمير البحر بيسون البحرية المصرية ثم خلفه هوسار في هذا العمل. وبعد مدة أنشأ ماريت متحف بولاق، واستدعى غير هؤلاء من رجال الغرب ومنهم البولونيون، ودام علم الفرنسيس يفيض على مصر مدة حكم محمد علي وأسرته الكريمة، ولو أحصي ما كتبه علماؤهم في مصر من الأسفار، وما رسموا لها من الآثار والمصورات والتصميمات لبلغ خزانة كبرى، ولا تزال هذه التحفة العظيمة إلى اليوم مرجع الباحثين والدارسين.

قال لنا صديقنا

4

عثمان غالب من علماء مصر الذين شاهدوا تلك الحركة العلمية في إبانها، ثم شاهدوها في انحطاطها، وحضروها في تجددها: إن أكثر أساتذة المدارس التي أنشئت في مصر على عهد نهضتها الأولى كانوا من الفرنسيس المستعربين، يكتب الأستاذ درسه بالفرنسية، والمترجم معه ينقله إلى العربية، فيلقى على الطلبة بلغتهم، دام ذلك من سنة 1830 إلى سنة 1874، وقد كتب فيها بروجر رئيس مدرسة الطب والولادة والصيدلة والمستشفيات المصرية إلى خديوي مصر في عهده يقول له في تقريره السنوي: إن الوقت قد حان لأن تكون وظائف التدريس كلها بيد المصريين؛ إذ قد أصبح فيهم الكفاءة الآن، وإن عمل فرنسا في تربية أبناء مصر في هذه الفروع العلمية قد انتهى أو كاد.

وقال أحد كتاب الإنجليز:

5

إن المدنية المصرية الحديثة هي مدنية إفرنسية صرفة، ويكفي لتصديق هذا القول أن نلقي نظرة واحدة على أعمال فرنسا في هذه البلاد، فمن من العالمين لم يسمع باسم شامبوليون الذي سهل لنا باجتهاده وثباته قراءة تاريخ مصر القديم باللسان الهيروجليفي، وأضاف إلى مصر باكتشافه حل تلك الرموز شهرة فوق شهرتها السابقة، وجعلها ملتقى الأنظار ومحط الرجال؟ ومن ينكر أن إصلاح الري في عهد محمد علي وبناء القناطر الخيرية، وعمل الخزانات لخزن ماء النيل، وأن كل ما نراه اليوم في مصر مما يتعلق بالانتفاع بهذا النهر ليس إلا من عمل المهندسين الفرنسيين الذين كانوا عضد محمد علي ويده اليمنى. ومن ينكر أن المهندسين الفرنسيين قاموا بالأعمال الهندسية عندما كان المستخدمون الفرنسيون قائمين بالأعمال الإدارية، بل من ينكر علينا أن ترعة السويس، وهي أكبر عمل فني تم في القرن التاسع عشر، هو من صنع الفرنسيس فكرا وعملا؟ إن الإصلاح الذي جلب لمصر أكثر من نصف ثروتها الحاضرة ليس إلا من غرس الفرنسيس وما جاء الإنجليز إلا منفذين ومكملين.

لولا عمل محمد علي في تمدينه مصر، لأشرفت اللغة العربية على التلف، على الرغم من وجود جامع الأزهر فيها منذ قرون؛ لأن الأزهر ما كان يعنى بغير المسائل الدينية، واللغة تنقرض إذا لم تكن لغة علم، وهذا ما حاول محمد علي أن يعمله فظهرت تباشير إصلاحه بعد عشر سنين من البداءة به، على أيدي من خرجهم من المصريين في مدارس الغرب، فألفوا وعلموا وهذبوا. ومن حسن توفيقه أنه وجد من المصريين مشايعين له على عمله خلافا لما كان من تصلب رجال الدين الأتراك، وعصيانهم على الإصلاح الذي كان بعض سلاطين بني عثمان يحاولونه، مما جاء برهانا آخر على أن حب الحرية مغروس في فطرة العرب، مهما انحطوا وانحط أمرهم، وأنهم من أكثر العناصر الإسلامية تسامحا، وما اشتهروا منذ قاموا إلا بفتح صدورهم للمدنية، وكانوا دعاة الدين والأمناء عليه في كل عصر.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ١٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ١٤٦