علماء فرنسا في مصر
وبينا كانت البلاد متدهورة في أعماق هذا الانحطاط، جاء نابوليون بونابرت في سنة 1798م يفتح مصر ويحمل في جملة ما يحمله من العدد والعدد، طائفة من
1
علماء فرنسا ونوابغها في الرياضة والهندسة والطب والجغرافيا والفلك والأدب والكيمياء والاقتصاد السياسي والآثار والمعادن وطبقات الأرض والحيوان والنبات وفن المعمار وهندسة الري والقناطر والجسور والميكانيكا، وزمرة من رجال الفنون من المصورين والرسامين والموسيقيين والنقاشين والمثالين وعددهم 146 عالما وفنانا. وأنشأ في مدينة القاهرة مجمعا للعلوم والفنون، يرمي إلى تقدم العلوم والمعارف في مصر، ودراسة المسائل والأبحاث الطبيعية والصناعية والتاريخية، وقسم المجمع إلى أربعة أقسام: قسم الرياضيات، وقسم الطبيعيات، وقسم الاقتصاد السياسي، وقسم الآداب والفنون، ويتألف كل قسم من اثني عشر عضوا.
ولم يدخر أعضاء هذا المجمع وبعثة العلوم والفنون وسعا في متابعة جهودهم العلمية في مختلف الفروع والفنون؛ فأنشأوا مكتبة تحوي أنفس الكتب التي أحضروها من فرنسا، أو جمعوها من خزائن الكتب في مصر، وأسسوا معملا للطبيعة والكيمياء، جهزوه بالآلات والأدوات الخاصة بدراسة العلوم الطبيعية والرياضية، وأخذوا يجوبون البلاد فاكتشفوا الآثار، وأزاحوا الستار عن عظمة مصر القديمة، ورسموا خرائط مفصلة للبلاد ونيلها وترعها وسواحلها، وبحثوا في طبائع الحيوانات والنباتات والمعادن، ودرسوا مياه النيل وطميه وطبقات الأرض، وجابوا الواحات والبحيرات، وأقاموا في القاهرة مطبعة أخذت تطبع منشورات نابوليون العربية، وجريدة الكوريه ديجبت والديكاد، وبعض المطبوعات العربية والفرنسية.
وحل الأثري شامبوليون الحجر الذي عثروا عليه في رشيد فحل بذلك الخط الهيروجليفي، فأولى باكتشافه مصر خاصة، والعلم عامة، يدا تشكر، ولئن رحل جيش الاحتلال الفرنسي عن مصر فما رحلت ثقافة فرنسا عنها، ولئن فشلت حملة نابوليون
2
فإن «العمل العلمي الذي قام به رجال البعثة العلمية من بحث وفحص وتأليف وتصوير ... أبقى إلى اليوم أثرا علميا فاخرا باهرا ... تطأطئ أمامه الرءوس إجلالا وإكبارا.»
مبدأ النهضة المصرية
كان احتكاك المصريين بالفرنسيس أول احتكاك علمي مع الفرنج، وممن كانوا في طليعة المستفيدين مؤرخ مصر في تلك الحقبة عبد الرحمن الجبرتي، وعالم آخر اسمه حسن العطار، وهو الذي تولى مشيخة الأزهر بعد حين، وألف في الفلك والطبيعيات والرياضيات، فإن هذين الشيخين وأمثالهما علموا بعض علماء حملة نابوليون اللغة العربية وغيرها، وتعلموا منهم ما لم يكن لهم به عهد من العلوم المادية، واختلط رجال الإدارة والسياسة من أهل مصر برجال الحملة، ونشأ بين الفريقين تعارف كان انقطع منذ عهد سان لوي أحد ملوك فرنسا في القرون الوسطى الذي جاء مصر فأخذ أسيرا في دمياط، وهكذا عرفت المدنية الفرنسية في هذا الشرق القريب، وظلت وارفة الظلال في بلاد الفراعنة، حتى لقد مضى على الاحتلال الإنجليزي أكثر من خمسين سنة، والأولية للغة الفرنسية، هذا مع حرص البريطانيين على نشر لغتهم.
وتولى مصر محمد علي واليها منذ سنة 1805م، فأوحى إليه ذكاؤه النادر أن يقتبس النظم الإدارية الحديثة، وكان شغوفا بتمدين
3
مصر فأحضر من مختلف بلاد أوروبا أساتذة وأطباء وصيادلة ومعلمين، شيدوا في أماكن اختيرت أحسن اختيار، تلك المدارس والمستشفيات في القطر المصري، و «شعر رغم أميته بأن الملك لا يشيد إلا على أمتن أساس من العلم، وأن العلم الذي تدعم به الممالك ليس هو الذي يسمونه علما في الشرق، إنما هو الذي قامت به المدنية الغربية، وشيدت عليه صرح عليائها وقوتها، فأقرت لها الأمم بالغلبة، ووقفت أمامها صاغرة ذليلة.»