وفي القرن الثالث عشر أيام تراجع العرب وسقط سلطانهم كما قال رنان في أيدي عناصر ثقيلة الوطأة، متوحشة المظاهر، ضعيفة المدارك، كالترك والبربر وغيرهم، بدأت تباشير الضعف عند المسلمين، وقد لا تكون التعاليم متعصبة بل يكون الناس متعصبين، وكان العرب عنصرا رقيق الحاشية، كثير التسامح، لا يخرجون قيد شبر عن هذه المياسرة، وبرهنوا بأعمالهم على أنهم كانوا متشبعين بها منذ ابتداء فتوحهم، لا ريب أن التساهل الديني كان مطلقا خلال العهد الذي أزهرت فيه المدنية العربية. ولقد عظم تأثير العرب في أجزاء من أرض أوروبا ما استطاعوا التسلط عليها إلا بعلمهم وعملهم، وكان هذا التأثير أشد قوة في البلاد التي خضعت مباشرة لسلطانهم أي في أسبانيا، وأحسن ذريعة إلى تقدير هذا التأثير حق قدره أن تلقى نظرة على ما كانت عليه إسبانيا قبل العرب، وما صارت إليه أيام حكمهم، وما انتهت إليه حالها بعد ذهابهم؛ فقد دب فيها الهرم بعد جلائهم عن أرضها ولما تنتفض من عوارضه حتى اليوم، مثال من تأثير شعب في شعب، والتاريخ لا يذكر مثله ناصعا جليا. ا.ه.
وبعد، فلا علينا أن ندعي بعد ما تقدم أن الحضارة العربية كان منها خير كثير للبشر، وأن الحضارة الحديثة بالنسبة للشرق قد خلطت عملا صالحا وآخر سيئا، وفيها من فاحش التعقيد ما يصعب على كل الناس تمثلها، عبث الاستعمار الغربي عمدا أو عن غير عمد بمشخصات المستعمرين؛ فلقنهم تهذيبا فجا بالقياس إلى عقولهم، فنقلوا إلى غمرة الأمة المستعمرة نقلا غير مفيد ولا سديد. وكان من البلاد التي حددت سلطة الغرب فيها كمصر والشام والعراق أن أظهرت استعدادا ونبوغا أكثر من غيرها من الأمصار التي اشتد ضغط الغريب عليها، وما منع احتفاظ هذه الأقطار الثلاثة بالمدنية العربية القديمة من قبول المدنية الغربية الحديثة، ولا يبعد إذا تمتعت البلاد العربية بوحدتها يوما أن تظهر في مظهر دولة راقية تتساند مع غيرها من الدول في خدمة التمدين في العالم، ولا تقل مكانتها عن أرقى دول الأرض بعد سنين قليلة. ونقول بعد هذا لأرباب المنازع الغريبة في حكمهم على العرب ومدنيتهم: إن أحكامهم هي الجور حق الجور، ولكن «إذا أقبلت الدنيا على قوم أعارتهم محاسن غيرهم، وإذا أدبرت عنهم سلبتهم محاسن أنفسهم.»
| أثر المدنية الغربية في البلاد العربية
حالة البلاد في القرن الماضي
طلع القرن الثالث عشر من الهجرة، وقد قل في البلاد العربية من يفكر في شيء اسمه حضارة، وغاية ما فيها آثار بالية من مدنية قديمة، يظنها أهل البلاد كل شيء وما هي به: انقطع سند العلوم، وبطل إعمال الفكر، وهجعت القرائح، حتى لتظنها ميتة، وأصبح ما يقال له علم صبابة من فروع علم الدين واللسان، والناس في غفلة عن الغرب، قلما يعرفون ما أتاه في نهضته خلال أربعة قرون، ضعف في الأرض العربية أو كاد كل مظهر من مظاهر القوة في الأمم، وأصبح العرب من الجهل بمقومات الحياة في حالة مبكية، وكأن نسبة الترقي عند أهل الغرب في تلك الأحقاب ، كانت على مقدار التدلي في كل شأن في البلاد العربية. ومن أهم العوامل في هذا الاستخذاء، أن الدولة الباسطة ظل جناحها على العرب، حاولت في بعض العصور والأدوار أن تفل من غربهم، فقد جدا في البلاد المفكرون والعارفون، وتراجعت المدنية فيها تراجعا لم يعهد له مثيل في تاريخها منذ مئات من السنين، وأمست هذه الأقطار الواسعة، بلا علم ولا مال ولا زراعة ولا صناعة، وفقد فيها معظم ما يبقي على الأمم حياتها، ويدل على مجدها وعظمتها، ويشعر بجميل حاضرها ومستقبلها، فكان دور التتر دور الفتور المطلق، والفقر المدقع، والعبث بالكرامة:
وإنما الناس بالملوك وما
يفلح عرب ملوكها عجم
يكاد لم يبق في القرنين السابقين على قرن النهضة العربية، وهو القرن الماضي، رجل يذكر في باب الهندسة والتصوير والنقش والشعر والإنشاء والخطابة والفلك والكيمياء والطب، ومعظم من يذكرهم المؤرخون ضعاف في فنهم أي ضعف: استحكمت حلقات الجمود في العقول، وشغل الناس عن الجد بالهزل والفضول، وراح من يكتب ويؤلف، وينسخ ويمسخ ويسلخ، ويعد ذلك علما وفنا، وفسد الذوق وضعف الخيال.