تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال: وما نفرة الشرقيين من حسنات المدنية الغربية اليوم إلا لروغان الشعوب الممدنة، ولفظائع أتتها مع من كانوا من عيار أحط في موازين المدنية، وكان من حال الممدنين مع المتوحشين، أن الأولين أبادوا الآخرين، وقرضوا نسلهم وجنسهم، أباد المتمدنين غير المتمدنين في أميركا وأوقيانوسيا، وهلك التاسمانيون برمتهم كما هلك هنود أميركا في أوقيانوسيا، وإذا عزت الرحمة في الطرق التي سار عليها الأوروبيون مع المتوحشين، فإن عمل الأوروبيين مع الشرقيين الممدنين، كالصينيين والهنود مثلا، ليس أحسن من ذلك على ما يظهر. وإذا صرفنا النظر عن حروبنا التي تجردت من العدل، فإن معاملتنا كل يوم للشرقيين تكفي لأن نربي منهم أعداء أشداء على الدهر، ويرى كل من دخل الشرق أن أضعف أوربي يعتقد نفسه في حل من كل ما يجريه، وإذا لم يستثمر الشرقي مباشرة، كما هو الحال في الهند، بضرائب تسلبه آخر قطعة من خبزه، تنصب له خدائع في التجارة يفقد فيها كل حياء، وتنم على أن طلاء الرجال الممدنين عرض ينصل لونه، وأن الأوربي في الشرق يفقد صفاته الحسنة، وينزل عن أخلاقه إلى ما تحت مستوى الشعوب التي يستثمرها، ولو عومل التجار الأوروبيون من حيث صلاتهم بالشرق بمقتضى قوانين بلادهم، لا ينجو من العقوبات الفاضحة منهم غير أفراد.

25

هذا ما علل به لبون نفرة الشرقيين من الغربيين، وما أدى المشارقة إلى سوء ظنهم بالحضارة الحديثة، وقد أورد على ذلك أمثلة، فقال: إن حوادث صلات الغرب بالشرق في القرن التاسع عشر كانت من أشوه صفحات التمدن. قال: وماذا يقول الناس في مستقبل الأيام في هذه الحرب الطاحنة التي شهرها الإنجليز على الصين ليحملوها بالقوة على استعمال الأفيون، فيهلك من الصينيين كل سنة ستمائة ألف إنسان؛ لتربح إنجلترا من هذه التجارة الممقوتة مائة وخمسين مليونا، ومن جهة ثانية يرسل البريطانيون إلى الصينيين دعاة التبشير ليهدوا بنيها إلى الفضائل، فيقول الصينيون للمبشرين: إنكم تسموننا وتهلكوننا وتأتون بعد ذلك لتعلمونا الفضيلة؟! قال: فالشرقيون يتجافون عن قبول حضارة لا تلتئم مع أفكارهم وشعورهم وحاجاتهم، وأي داع يكرههم على قبول مدنية تقل سعادتها، وفيها من الشقاء ألوان، ومن العوامل المضعفة ضروب، إلى أن قال: لما فتحت العرب الشرق لم تحمل هذه الشرور، فإن العرب كانوا مشارقة مثلهم تتشابه عواطفهم وحاجاتهم، غلبت العرب على الهند وفارس ومصر ثم غلبت المغول والأتراك على هذه البلاد، فما كان على أهلها أن يعدلوا حالاتهم كلها بقبول حضارة جديدة، وعلى العكس اضطرت هذه الشعوب باحتكاكها بالأوروبيين أن تغير جميع أوضاعها. وإذا كانت تلك الأمم ضعيفة جدا كالهندي مثلا فيكون نصيبها الشقاء الأسود والثورات التي يولدها اليأس، تلك حال القوي مع الضعيف، وللأمم الحديثة هموم أعظم من اهتمامها بتمدين الشعوب الأخرى، ثم إذا كان ثمت ما يقال له العلائق بين الأمم تفقد كلمات العدل والإنصاف معناها وما فيها من قيمة، فتكون ألفاظا جوفاء خداعة لا تجوز على إنسان، والشعراء يحدثوننا بعهد سعادة يسمونه العصر الذهبي تجمع بين العالم أواصر الإخاء العام، ومثل هذا العصر ما كان ولن يكون، دخلت الإنسانية في العصر الحديدي الذي يهلك فيه كل ضعيف بحكم الطبيعة.

وقال: إن الشرق خضع لأمم كثيرة كالفرس واليونان وغيرهم، ولئن كان نفوذهم السياسي فيه عظيما أبدا فإن عملهم في التمدن كان ضعيفا جدا، فهم لم يفلحوا في نشر أديانهم ولغاتهم وصنائعهم في غير المدن التي احتلوها مباشرة، وامتنعت مصر عن قبول هذه المدنيات فلم تبدل أوضاعها على عهد البطالسة ولا في أيام حكم اليونان، واحتفظت بماضيها، وكان من الغالبين أن أخذوا عن المغلوبين دينهم ولسانهم وفنهم، وبقيت المصانع التي شادها البطالسة ورمتها القياصرة على الطراز الفرعوني، وما تعذر على اليونان والفرس والرومان تحقيقه في الشرق سهل على العرب الوصول إليه من دون ما قسوة ولا إعنات، وكان يتراءى أن مصر هي القطر الذي يأبى الخضوع للتأثير الأجنبي، ومع هذا لم يمض أقل من قرن على فتح عمرو بن العاص لها حتى نسيت سالف مدنيتها التي أنشأتها في ستة آلاف أو سبعة آلاف سنة، وأخذت تدين بالدين الجديد وتتكلم لغة جديدة، وكان لها فن طريف بلغ من رسوخه أن خلفه الشعب الذي قبله إلى الشعب الذي قام بعده، ولم يغير المصريون قبل العرب دينهم إلا مرة واحدة، وذلك على عهد إمبراطرة القسطنطينية عندما نهبوا البلاد، وانهالوا على مصانعها القديمة يدمرونها، ويشتدون في الضغط على أهلها ويحظرون انتحال الأديان القديمة مهددين كل من يجرأ على ذلك بالقتل، فانتحل المصريون الدين الجديد بالإكراه لا بالرضا. وكان من تسارعهم إلى ترك النصرانية وانتحال الإسلام برهان على ضعف الإيمان في نفوسهم، أما التأثير الذي أثرته العرب في مصر فقد ظهر في جميع البلاد؛ ظهر في إفريقية والشام ومصر وغيرها من الأصقاع التي رفعوا علمهم عليها، وأثرهم ظاهر في الهند وإن كانوا قد مروا بها مرورا، بل وصل تأثيرهم إلى الصين وما عرج عليها غير تجار منهم، وما عهد التاريخ مثالا محسوسا لشعب عمل عمل العرب، فقد تقبلت مدنيتهم عامة الشعوب التي مازجتهم ولو مدة وجيزة، ولما تراجع أمرهم في التاريخ كان ممن غلبوهم عليه كالترك والمغول وغيرهم أن اقتبسوا منازعهم وقاموا يدعون بدعوتهم في العالم. قضت المدنية العربية منذ قرون، وليس اليوم في العالم من المحيط الأطلانطي إلى نهر السند، ومن بحر الروم إلى البادية، غير دين واحد، ولسان واحد: هو دين أشياع محمد ولسانهم، ولم يتجل نفوذ العرب في الشرق في دينهم ولسانهم وصناعاتهم فقط، بل امتد إلى الثقافة العلمية؛ فإن المسلمين كانوا على اتصال مستديم مع الهند والصين، فنقلوا إلى تلك الأصقاع جزءا عظيما من المعارف العلمية، فظنها الأوروبيون بعد ذلك من أصل صيني أو هندي، واقتبست الهند من العرب أكثر مما اقتبس هؤلاء من الهنود، وكذلك أدخل العرب إلى الصين في العهد المغولي الفلك والطب. وتأثير العرب في الفرس ما زال بحاله إلى يومنا هذا، يقرءون العلوم في كتب العرب، ومقام اللغة العربية في فارس يشبه ما كان للغة اللاتينية في الغرب خلال القرون الوسطى، وبظهور العرب خاصة في إسبانيا في القرن العاشر احتفظت ناحية من الغرب بحب الآداب والعلوم، وكان مزهودا فيها في كل مكان حتى في القسطنطينية.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ١٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ١٤٣