فالاستعمار الهولاندي لطيف الملمس من هذه الجهة، ولكن «مهما قال القائلون في ارتقاء زراعة جاوة وسمطرة وكثرة سكانهما والعناية بصحتهم وراحتهم، فإن هذه البلاد تديرها في كل مظاهرها الأيدي الهولاندية، والوطنيون عملة بأجور قليلة، وموارد الثروة فيها تنتهي إلى خزائن الهولانديين وجيوبهم، والهولانديون ينظرون إلى جاوة كما ينظر الإنجليزي إلى الهند يغتني من خيراتها أغنياؤهم، وقد جعلوا منها ذلك المصدر الذي لا ينتهي خيره، ولن تخبو شعلة حياته.» وعاملت هولاندة المسلمين، وهم كثرتها الغامرة، معاملة لا تحرجهم لئلا تخرجهم، تقربهم من مناحيها في أناة ورفق، ولا تقطع عنهم التعليم ولا تفيضه فيهم.
أما سياسة سائر الدول المستعمرة، كألمانيا وروسيا أمس والبلجيك وإيطاليا اليوم فمتشابهة، كانت روسيا في معاملة المسلمين قاسية على نحو ما كان المغول في معاملة الروس أيام استيلائهم عليهم في القرون الوسطى. كتب كاستلنو في تاريخه الذي قدمه للقيصر إسكندر الأول بشأن وقائع الروس في القريم لما أخذوها من العثمانيين: «إن الحملة لم تول روسيا شرفا، فإن بلاد القريم أحرقت ودمرت، وربما كان مثل هذا العمل يغتفر على عهد البربر لما فطروا عليه من الجهل، ولكن إحراق المدن في القرن الثامن عشر، وتخريب أهم المصانع والآثار، وتدمير المعابد وإبادة المدارس العامة، وإدخال الظلام على العقول بإحراق كتب الأمة التي تريد الانتفاع بها في إنارة أفكارها، وإلقاء الشيوخ والنساء والأولاد طعاما للنار، لا يقصد منه الحرب بل إهلاك شعب عن بكرة أبيه.» هذا وحكومة البلاشفة اليوم تريد المسلمين على أن يبدلوا أوضاعهم وعاداتهم ليحاكوا سائر مواطنيهم.
وأساءت ألمانيا بسياستها العسكرية؛ فأبادت قبائل الهروروس برمتها ليحل محلهم البيض؛ لأن من قواعد المدنية الغربية قرض الزنوج، وبلغ عدد من يموت من العملة السود في الترنسفال 28 في المائة، يموت نصفهم بأمراض الكبد والنوام. أما البلجيك فاستعمارهم ثقيل الوطأة موفور الظلم للإنسان. واستعمار الأميركان كاستعمارهم جزائر الفيليبين فإنهم يراعون فيه مصلحة السكان، وقد عاونوا مسلمي تلك الجزائر على النهوض، وهم فيما قيل: نحو مليونين من الأنفس، فأخرجوهم من الوحشية إلى ساحة المدنية. ولطالما كانت إسبانيا مدة حكمها
23
الطويل على تلك الجزائر ترهقهم وتذلهم وتحملهم على انتحال الكثلكة، فلما عصوها دمرت مساجدهم ومصانعهم، وتعلم نحو ثلثهم في عهد الأميركان فأنشأوا المدارس والمساجد وتمتعوا بحرياتهم كلها، والأميركان سكان الولايات المتحدة الشمالية هم الشعب الوحيد الذي لا ينفق على المبشرين في بلاد المتوحشين، وينفقون عليهم في بلاد المتمدنين، أما الأمم المستعمرة الأخرى فتجعل التبشير بالدين مقدمة لاستعمار ما تريد من البلاد، وقد تقول بدين العقل وحده، وتتخذ من المبشرين أداة لبلوغ أغراضها، حتى قالوا: إن بضاعة التبشير لا تروج في أرضها وإنما صنعت لتصدر إلى بلاد أخرى.
رأي لبون في استعمار الغرب للشرق والاستعمار العربي
أفاض علماء الاجتماع والسياسة والتربية من الغربيين في نتائج هذا التعليم الذي حاول الغرب أن يلقنه ابن الشرق، وممن عني به عناية خاصة، ورحل إلى الشرق غير مرة لدرس أسبابه ونتائجه؛ وقابل بين عمل الغربيين وعمل العرب جستاف لبون، فمما قال:
24
إن الأسباب التي حملت غير الأوروبيين على النفرة من الحضارة الأوربية ترجع إلى كون هذه المدنية هي نتيجة نشوء ماض طويل لم يصل إليه الأوروبيون إلا بالتدريج، وذلك باجتيازهم مراحل لا بد من قطعها، وكل من يحاول أن يكره شعبا على أن يخترق هذه الدرجات فجأة كان عبد أوهامه وأحلامه، وما حاله إلا حال من يؤمل أن يبلغ بولده سن الكمال، قبل أن يقضي دور الشباب، ولئن كان في مدنية العرب أمور سهل على الشرقيين التماسها واقتباسها، فقد كان السبب في ذلك أن الشرقيين ليس لهم شيء من حاجيات الغربيين الكثيرة، يتبلغون بالقليل ويلبسون الساذج. وفي المدنية الغربية حاجات مصنعة قادت أوروبا الحديثة إلى اضطراب شديد وعمل لا ينتهي، وهذا مما يكرهه الشرقيون. ولطالما فاق العامل الصيني العامل الغربي لقلة مطالبه في الحياة، وقد غرست الصناعات في فطرته حتى اضطرت أميركا وأوستراليا إلى منع الصينيين من دخول بلادهما. وكما كان الاختلاف بين حاجيات الشرقيين والأوروبيين عظيما انفرج الاختلاف في طرق حسهم، وبعدت المساوف بين تفكيرهم وتفكيرنا، فالآسيويون لا يحسدون الغربيين على مدنيتهم، ولا سيما من زار منهم أوروبا، ويرون في تسرب مدنية الغرب إلى الشرق مصيبة عظيمة، وهم مجمعون على أن الشرقيين أسعد حالا وأكثر حشمة وأدبا من الغربيين ما داموا لم يختلطوا بأهل الغرب.