تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجرت إنجلترا في الهند على مثل الطريقة الفرنسية في سياسة التعليم وكان حكامها من قبل يتحامون تعليم الهنود الألسن الأوربية والأفكار الغربية؛ لما وقر في نفوسهم من احترام المدنية القديمة،

20

ومنذ سنة 1836م فتحت إنجلترا المدارس والجامعات وأسست الأندية والجمعيات، تبذل فيها أموال الهند لتعليم أبنائها لغة الإنجليز وتاريخهم وطرائق تفكيرهم، وتلقينهم أساليب من التربية الغربية يصعب تطبيقها، وأنست إنجلترا من اغترفوا من مناهل تلك المدارس كثيرا من مقدساتهم وعاداتهم، وغاية ما ربحت ممن علمت أن أخذت منهم إلى دواوين الحكومة وأعمال السكك الحديدية ودور البريد والبرق وغيرها ألوفا من المستخدمين، يكلفها الواحد منهم أقل من عشرين ضعفا مما يكلفها الإنجليزي الذي كان عليها أن تأتي به من الجزائر البريطانية. وتلقفت تلك الطبقة من الهنود تربية خرجت بها عما غرس في دمائها من معتقدات، وما عتم مواطنوها أن أضمروا لها الكراهة لانطواء الفئة المتعلمة على الرياء والمكر والخديعة؛ ولأنها تدأب على رفع القضايا المزورة والاعتداء على أبناء جلدتها، وما عرفت بغير القحة والبخل والانحلال من الأخلاق، ثم هي لا تحسب لغير أرباب الصولة من رؤسائها حسابا، لكن إذا آنست منهم ضعفا انقلبت عليهم كل الانقلاب.

ومع كل هذه العناية التي بذلتها إنجلترا في مائة سنة لنشر ثقافتها في الهند لا يتجاوز من يتكلمون الإنجليزية من الهنود مليوني إنسان من أصل ثلاثمائة وخمسة وخمسين مليونا، وكلما حاولت إنجلترا أن تطبعهم بطابعها زادوا لها جفاء، وحاولوا نزع أيديهم من يدها. يقول

21

كبلنغ شاعر الاستعمار الإنجليزي: الشرق شرق، والغرب غرب، ولا شيء يجمع بينهما، فهما ضدان لا يأتلفان، ومن المتعذر أن تنشأ بين ابن الشرق وبين ابن الغرب ألفة حقيقية ومودة ثابتة أو ثقة تامة؛ فإنهما يتكلمان لغتين متباينتين كل التباين، ولا يستطيعان أبدا أن يتفاهما، وعدم الألفة وقلة الوئام هما الأصل في ارتخاء علائق الشرقيين والغربيين على مدى الأيام. ا.ه.

وقال أحد المفكرين من ساسة الإنجليز: سيبقى الشعب الهندي على الدوام شاهدا ناطقا بالماضي غير ممسوس بيد الغرب إلا مسا خفيفا. وقال أحد الباحثين من الفرنسيس: إن قوة الحكومة البريطانية في الهند نشأت من كونها تحكم عناصر مختلفة من السيخيين والمسلمين والماهراتيين والهندوسيين والبرمانيين، وكلهم يتحاسدون ويتخالفون في الجنس والعادات والديانات.

وفي الثورات العديدة التي قام بها الهنود في أزمان مختلفة، وفي العصيان المدني الذي قاموا به في هذه السنين الأخيرة، وما لاقته إنجلترا من الخسائر المادية، بحيث كان نشوزهم من العوامل الكبرى في إفقار إنجلترا الغنية، دليل محسوس على فساد تلك الطريقة في تنشئة الهنود واستثمارهم. وأدركت إنجلترا، وقد حسبت الهند مزرعتها ودكانها وبيتها، أنها لم تستطع أن تنفذ إلى قلوب أهلها، وتلقنهم حبها وجميل صداقتها؛ وذلك لأن الهنود موقنون أن كل عناية إنجلترا مصروفة لإغناء الأفراد وإفقار الجماعات، وأن الهندي مهما بلغ من ثقافته ومقامه، محتقر في نظر الإنجليزي: لا يؤاكله، ولا يجالسه، ولا يزامله، ولا يعاشره، ولا يكاد يضمه وإياه ناد، ولا قطار، ولا فندق، ولا مطعم.

هذه سياسة إنجلترا في الهند بلاد المتناقضات في غناها وفقرها، وعلمها وجهلها، وتنوع طبقاتها ودياناتها ولغاتها. أما سياسة هولاندة فقد زعم بعضهم أن فيها بعض الرفق بالمستعمرين من الجاويين، ومنه الابتعاد عن هذه الفوارق المنفرة

22

على ما هو حال الإنجليز مع الهنود؛ فالهولانديون يختلطون بالوطنيين ويمتزجون بهم «وارتضوا أن يزوجوهم ويتزوجوا منهم، وهذا في الحق صنع جميل، وعمل يدل على الرأفة التي تشبعت بها عقول المستعمرين الهولانديين دون سواهم. وليست مسألة الاختلاط الجنسي كل ما أخذ الهولانديون أنفسهم به من التقرب إلى سكان الجزيرة، بل إن هناك مسألة قل أن أخذ بها الإنجليز والأميركيون، وقل أن آمنوا بأنها دليل واضح على حسن الطوية وسلامة الضمير، تلك هي أنك ترى الجاويين يخالطون الهولانديين في النوادي والمجتمعات، وترى أنهم في هذا الاختلاط لا يبدون أقل شأنا ولا أيسر احتراما فيها من أفرادهم من الأجانب، فجميعهم في هذه الحلبة إخوان وعلى قدم المساواة.»

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ١٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ١٤١