تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

17

حتى يضطر أبناء البلاد إلى التشرد في الصحراء، وتلقين العرب تعليما إفرنسيا ليمسوا فرنسيسا قلبا وقالبا، فلم تنجع الطريقة الأولى ولا الثانية؛ ذلك لأن ما أعطي من الأرض للمستعمرين امتلكه أناس من الأفاقين والمتشردين ممن لا يعرفون من الزراعة إلا بقدر ما نعرف من اللغة السنسكريتية، وضعفت آمال أهل البلاد في إبقاء أملاكهم لهم، فتراخوا في تعهدها فخسرت الدولة والبلاد من وجهتين؛ من غباوة الآخذ ومن إهمال المعطي، وانبعثت العداوة تأجج بين المستعمر والمستعمر، وحدثت حوادث تندى لها الجباه لخلوها من روح العدل.

وبنزع الأملاك من أصحابها نتج بؤس عظيم كان باعثا على القلق؛

18

ذلك لأن سكان البلاد، وهم ستة أضعاف الأوروبيين النازلين عليهم من الفرنسيس والطليان والإسبان وغيرهم، لم يبق لهم غير نصف مجموع الأرض في البلاد والنصف الآخر وهو الأعمر والأمرع أصبح ملك المستعمرين (الأوروبيون في الجزائر 925 ألفا، والمسلمون زهاء ستة ملايين، والأوروبيون في تونس نحو 180 ألفا، والمسلمون زهاء مليونين ). ويقول ثلاثة من المؤرخين المشهورين (جسل ومارسيه وإيفر) في كتابهم «تاريخ الجزائر»: إن مجموع الأرض المستعمرة التي انتقلت إلى أيدي المستعمرين في الجزائر يبلغ 1600000 هكتار، أي اثنين من خمسة من الأرض القابلة للفلاحة، ومن فساد الرأي بل من قلة الإنسانية تقليل مساحة الأرض التي يملكها الوطنيون لتجعل ملكا للمستعمرين. ا.ه.

أما «الفرنسة» من طريق المدرسة وغيرها فلم تأت أيضا بثمرة جنية؛ لأن من تعلموا على الأساليب الفرنسية البحتة من الوطنيين تلقوا تربية لا تتفق وعقليتهم؛ فلم ينفعوا أنفسهم ولا غيرهم، وغاية ما كان ممن أخذوا بهذه التربية أن خرجوا من عاداتهم وأهملوا مقدساتهم، وأصبحوا كالعقعق حاول تقليد الحجل في مشيته فنسي مشيته الطبيعية، وأكد الباحثون في شئون الجزائريين من علماء الغرب أن هذه الثقافة لم تورث من أخذوا بمذاهبها إلا نفاقا وشعوذة واستهزاء بكل قديم، وأنها أقبستهم أبشع ما في المدنية الحديثة من النقائص كالسكر ونحوه. ومن الصعب أن يغير شعب تركيبه العقلي ليختار تركيبا آخر، ومن الثابت أن حضارتين مختلفتين إذا وضعت إحداهما بجانب الأخرى تعارضتا ولم تلتئما، والشعوب الفاتحة التي أثرت في غيرها من الأمم نجحت بمعالجة شعوب كان لها من العواطف والأفكار والأوضاع والمعتقدات مثل ما للداخلين عليهم؛ فالشرقيون يؤثرون في الشرقيين أمثالهم، وما أثر الغربيون قط فيهم مثل هذا التأثير، وهذا سر النفوذ العظيم الذي بسطه العرب في الشرق، ولا يزال لهم حظ منه في إفريقية والصين؛ فقد نجحوا في كل مكان ببث أهم عناصر مدنيتهم، وهي الدين واللسان والأوضاع، بدون كبير عناء. والإسلام ينتشر كل يوم في إفريقية من دون أن تبذل همة في سبيل نشره، ويخفق المبشرون من الأوروبيين في سبيل دعوتهم إلى دين إخفاقا شقيا، هذا رأي لبون، ثم يعود فيقول: إن السياسة التي اتبعت لفرنسة المسلمين واستتباعهم استتباعا أدبيا كانت في شدتها قريبة الشبه بالطرق التي اتبعتها أميركا مع الزنوج في بلادهم؛ فقد كانت تسلبهم أرضهم التي كانوا يصيدون فيها تاركة لهم حريتهم المطلقة أن يموتوا جوعا.

وأفرطت فرنسا في تلقين لغتها وفي حرصها على حمل من نزلت عليهم أن يهجروا لغتهم وعاداتهم؛ فخرج من تخرجوا بأساتذة مدارسها بتربية مخلطة خلاسية ليسوا عربا ولا إفرنجا، ولا يعقل أن ترقى أمة بغير لغتها، ومن أراد الخير لشعب كان جديرا بأن ينهضه داخل حدود عقليته، لا أن يفرض عليه تربية تخالف عاداته ومزاجه، ومتى حمله على تناسي ما يلائمه، وأعطاه ما لا يوائمة، كان في عمله الغبن الذي لا ينكر محله. يقول المؤرخ إيفر:

19

إن الرأي القائل منذ سنة 1830 بتمثيل الجزائريين قد أخفق، وإذا كان من اللائق العدول عن فكرة تبديل العقلية الأهلية في الجزائر تبديلا من أساسها، فليس من الوهم في شيء البحث عن تنشئة المسلمين في حجر مدنيتهم الخاصة، ولكن هذا عمل يحتاج إلى صبر، ولا تظهر نتائجه إلا بعد مدد طويلة. ا.ه. وجمهور العقلاء من الفرنسيس والعرب على أن الواجب تلقين لغتين العربية والفرنسية بدرجة واحدة في شمال إفريقية.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ١٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ١٤٠