تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبعد، فمن العبث أحيانا مطالبة من يعتز بقوته بأداء الحق كله، لا سيما إذا كان بذل مالا ورجالا حتى تمت له الغلبة على ما طمح إليه، وتوطد سلطانه في أرض استنفضها واستقراها واستنبتها، والفتح الحديث لا يراد منه أولا وبالذات غير فائدة القوي قبل الضعيف. وهذه سنة الكون منذ دحيت الأرض وسار البشر على سطحها. ثم إن الأمم الكبرى هي أيضا تحت وصاية طبقتين متغلبتين فيها: طبقة رجال الجندية وطبقة الممولين، أو طبقة أرباب الصولة في الدولة، وأصحاب الأموال في الأمة، ولا يلذ لهاتين الطبقتين إلا أن ينعما الحين بعد الآخر بانتصارات جديدة، وأن يستنزف الأفراد ثروة الجماعات، يهنئون بما جمعوا من القريب والبعيد. قالوا: إن بعض المستعمرات لا يفي دخلها بخرجها، أو لا توازي كل هذا العناء للاحتفاظ بها، ومع هذا نشاهد الدول متماسكة فيها، ومتمسكة بحقوقها عليها؛ لئلا تستهدف لغضب أصحاب السيطرتين الماديتين الجندية والمالية، وإن أغضبت أهل المذاهب الاشتراكية والشيوعية وغيرها من أصحاب النزعات السياسية الهدامة الدائبة على تمزيق نظم حكم الجمهور (الديمقراطية)، وهو يرجع في جوهره إلى الاستبداد يوما بعد يوم؛ ولذلك قالوا: إن هذا الضرب من الحكم أفلس وخابت الآمال فيه، وإن كانت مظاهره مجالس نيابية وأنظمة دستورية ووزارات مسؤلة عن أعمالها.

ولقد ادعى بعض الدول لتبرير مقامها في بلدان الشرق أن غايتها هي حماية الأقلية من ظلم الأكثرية، وهي دعوى اخترعوها في العهد الذي قويت فيه نغمة الاستعمار، ولإثباتها قد يثيرون ثائرة التعصب المذهبي في الناس؛ ليتخذوا من فريق على فريق نصيرا، يلقون العداوة والبغضاء بين أبناء الوطن المشترك، بواسطة غلاة دعاتهم ومبشريهم؛ ليحصل التوازن بزعمهم بين أهل التعاليم المختلفة، وما رأينا بلادا قط حكمت بغير رأي سوادها الأعظم، وما كان لنا أن نقول اليوم مثلا لرومانيا ويوجوسلافيا، وفيهما مئات الألوف من عنصر واحد ودين واحد، أن تعاملا المسلمين في بلادهما، وهم عشرات الألوف، بما يريدون لا بما يريد السواد الأعظم من مواطنيهم.

فرق الاستعمار بين أجزاء القلوب في الشعب الواحد؛ فرق بين البربر والعرب وهم متحدون في دينهم ولسانهم، وفرق بين المسلم والنصراني في كل مكان، وفرق بين المسلم والوثني والبرهمي، وضرب الأخ بأخيه والابن بأبيه، وباعد بين الأحمر والأسود، والأسود والأبيض، على حين رأينا البلاد التي نجت من تأثيرات الاستعمار كجمهورية ليبريا المؤلفة من مليون ومائتي ألف مسلم وثلاثمائة ألف نصراني وخمسمائة أوربي عاش أهلها كأبناء بيت واحد، ما فرق الدين ولا الجنس بينهم في المسائل الوطنية.

رأينا من هذه الدول من إذا كان لها مأرب في أمر لا تعدم حيلة مؤلفة من ألف برهان لبلوغ غرضها، ونحن نضرب لذلك مثلا بدولتين، وهما من أكثر الدول اتصالا بالشرق والإسلام، ومن أعرقها في الحضارة، عنينا بهما فرنسا وإنجلترا؛ فقد رأينا فرنسا لما بدا لها أن تضرب جارتها إنجلترا في هندها عملت لمصر في القرن الماضي كل ما يستقيم به أمرها، ولم تعمل لأهل شمالي إفريقية شيئا منه، وفكرت فقط في مصلحتها، وأبقت سكان البلاد في دائرة معينة لا تريدهم أن يتعدوها. ورأينا إنجلترا تأخذ أوائل هذا القرن بيد مصر أيضا فتصلح إدارتها، وتنمي زراعتها، وتنظم ماليتها، حتى إذا تمت لأبناء النيل أدوات التفوق، قالت بريطانيا: إنها تخاف على الأجانب إذا هي ألقت حبل مصر على غاربها، وقالت غير ذلك من الحجج. والحقيقة أن مصر طريق الهند، وتخاف أن تجعل باب الوصول إليها يشرف عليه غيرها.

كان لفرنسا وإنجلترا في باب سياسة الاستعمار والتعليم في البلاد التي احتلتاها طريقتان متشابهتان، لم تعودا عليهما بعد تجارب طويلة بفوائد تستحق ما بذل فيها من العناء، ورأينا عدولا من الفرنسيس والإنجليز ممن لا يتأثرون بمؤثرات الأحزاب ولا المذاهب، ينقدون في الأسفار والصحف هاتين الطريقتين في الاستعمار؛ فقد دارت سياسة فرنسا في الجزائر مثلا على محورين: نزع الأرضين من مالكيها الأصليين وإعطاؤها للمستعمرين؛

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ١٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ١٣٩