يقول تولستوي:
16 «إن عاطفة الوطنية في زماننا هذا هي عاطفة غير طبيعية، خارجة عن الصواب ومضرة، وهي علة أكثر أمراضنا الاجتماعية التي يئن منها النوع البشري، ومن المدهش أن تكون الوطنية هي سبب التسليح العام والحروب المهلكة للإنسان، وكان من قانون التجنيد العام في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في أوروبا أن خضعت هذه لرق أخبث من الرق القديم. ولم تقف قحة الحكومات وقسوتها وجنونها عند هذا الحد، بل تنازعت لاغتصاب ممالك آسيا وإفريقية وأميركا مسوقة بعوامل الهوى والصلف والجشع، وأعقب ذلك تفاقم سوء الظن والعداوة بينها، وصاروا يعتبرون ما ينال الأمم المقهورة من الخراب والدمار أمرا عاديا، ويهتمون بالبحث عن شيء واحد فقط، وهو لأي الحكومات الحق في أن تستولي على أرض غيرها وتبيد سكانها. إن جميع الحكومات لا تسيء إلى الأمم المقهورة وتظلمها، بل يعتدي بعضها على بعض، وترتكب جرائم الغش والغدر والرشوة والخداع والتجسس والسرقة والقتل، ومع هذا ترى الأهالي يشجعونها على ذلك كله ويبتهجون إذا كانت حكومتهم لا غيرها هي المرتكبة لأمثال هاتيك الجرائم. وقد بلغت العداوة بين مختلفي الشعوب والحكومات في الأيام الأخيرة مبلغا عظيما جدا، حتى علم كل إنسان أن الحكومات طرا تقف بلا سبب معقول ناشبة أظفارها مكشرة عن أنيابها، رجاء أن تخور قوى إحداهن فتفترسها الأخرى وتمزقها شر ممزق، بلا كبير عناء ومخاطرة. وقد انحطت الأمم النصرانية بالوطنية إلى أسفل دركات الوحشية فأصبح سكان أوروبا وأميركا حتى غير المجبرين على الحرب يودون المذابح ويسرون للقتل، ومع أنهم مقيمون في ديارهم آمنون في أوطانهم بعيدون عن كل خطر، وكان شأنهم عند نشوب كل حرب شأن الرومانيين النظارة في المصارعة، يبتهجون بالذبح ويصيحون صيحة الظمآن لسفك الدماء، مشيرين بالإجهاز على المهزوم ...»
استراحت الأقطار التي سقطت في أيدي الدول المستعمرة من فوضى الأحكام، ودخلت على الجملة في طور تنظيم ونظام، وتلقف أهلها ما طاب لهم تلقفه من الحضارة العصرية، ولكن أتبقى لهم خيرات بلادهم، وتبقى عليهم الدول الفاتحة مشخصاتهم وخصائصهم؟ هذه هي المسألة المهمة في المستعمرات؛ ذلك لأن الغربي مجهز بالصفات التي تؤهله للكفاح في سبيل الرزق، وهو معتز بعز الحكم في قومه. والوطني قد ضعفت فيه هذه الأجهزة إلى حد غير قليل، وفترت فيه بعض الفتور الحرارة الضرورية لمحاكاة غيره في جهاده، بما هجم عليه من مغريات الحضارة الحديثة، ومن الفتنة بمذاهب غيره في الحياة، فكان بين أمرين لا ثالث لهما؛ إما قبول مدنية الغرب بما فيها من منافع ومضار، أو المجاهرة بالعصيان عليها ، وفي كليهما الانقراض والفناء.
نحن نعلم أن من أهم الأسباب التي تدعو الدول الصناعية إلى ركوب مراكب الأخطار في الاستعمار هو جلب الغذاء لبلادها، والاستئثار بالمواد الأولية لمصانعها، وإيجاد مصارف لصناعاتها، ومخارج لبضائعها، وأن أرض الأوروبيين ضاقت بهم، ولا سيما بعد منتصف القرن التاسع عشر؛ وعلمتهم حضارتهم أن لا يقنعوا في طلب الربح، وأن يتوسعوا كل التوسع في مطامعهم. ونعلم أن الشرق مهمل متسع الرحاب، يعول أهله ويعول أضعاف أهله، إذا حسن استثماره، ونعلم أن هذه المدنية الحديثة حملت في مطاويها من الجشع والأثرة ما لا نسبة بينه وبين دعوى نعومتها ونعمها، وأنها مزجت أحيانا بكثير من العنف والخسف، وقست قلوب دعاتها فما رجعوا في عملهم إلى عاطفة، ولا حفلوا تعاليم المسيح في الحب والسلام. ولو ظل الغرب نصرانيا بالمعنى الذي نفهمه من هذا الدين لما تعدى سلطانه ما وراء حدوده، ثم لما كانت هذه الحضارة الغنية بجميع مظاهرها، وكيف نطلب الرحمة ممن لا يرحم نفسه، ولا يتراحم وأقرب الناس إليه؟ تكثر روابط الأمم الغربية بعضها مع الآخر، فهم أبناء عناصر متشاكلة متقاربة، وأصحاب مذاهب ترجع في جوهرها إلى أصل واحد، ومع هذا رأيناهم كيف عامل بعضهم بعضا في الحرب العالمية الأخيرة؛ تعاملوا - شهد الله - بقسوة ما شهدها الإنسان في قرون الهمجية الأولى.