تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونشبت بين الدول المستعمرة حروب حتى استقرت الحال في تقسيم العالم على هذا الوجه، وخرجت البرتقال وإسبانيا عن مستعمراتهما، وبقيت لهما بعض الجزر والبلاد، وتمتعت إسبانيا بامتلاك الريف في الغرب الأقصى، بعد نكبات عظيمة حلت بجيشها، ولو لم تساعدها فرنسا على حرب الريف ما استطاعت نزع تلك المستعمرة الصغيرة من الريفيين، ولكانت ردت عنها كما كانت ردت إيطاليا عن بلاد الحبشة بخسائر فادحة، ولعل ما أنقذ الحبشان من الاستعمار الأوربي كونهم نصارى، وربما لم يجد سكان الريف لهم نصيرا في الغرب؛ لأنهم عرب مسلمون.

وأصبحت بريطانيا العظمى، بما خص به الإنجليز من التؤدة والمعرفة الواسعة بحكم البشر، ومنها إبداع إدارات خاصة لكل إقليم وجنس انضوى إلى علمهم، أعظم مملكة في العالم لا تغيب الشمس عنها، ولا تقل مساحتها عن ثلاثين مليون كيلو متر مربع، وسكانها عن نحو أربعمائة مليون من البشر، مملكة بل ممالك، واسعة السلطان، مستفيضة العمران، ما طمع الرومان، بأعظم منها ولا أغنى، وهي مأمونة الطرق محفوظة المسالك، مستأثرة بأهم المضايق والخلجان والفرض، ومن ورائها أسطول عظيم كان منذ قرنين أول أسطول بين أساطيل الدول العظمى.

ولم يبق أوائل القرن العشرين أرض في العالم يصح أن تتقاسمها الدول الغربية: تقاسمت إفريقية وآسيا الجنوبية،

14

ونجت الصين من القسمة لتنافس الدول الأوربية عليها، وما فتئت اليابان تطمح إلى امتلاك بعض أقطار الصين المتاخمة لبلادها، تستعمرها لإنقاذها من الغربيين وإبعادهم عن أرضها وأرض الصين معا، وكان الغربيون حاولوا غير مرة أن يلجوا بلاد الشرق الأقصى، فاصطدموا في الصين واليابان بمدنية أقدم من مدنيتهم.

15

وفي القرن الماضي والذي قبله كانت البرتقال وإسبانيا وهولاندة وإنجلترا وفرنسا تتنافس في الاستئثار بالذهب والأحجار الكريمة، والنادر من حاصلات الأرض الثمينة، فأصبحت الدول الأوربية في هذا القرن تتنازع على كل ميل من اليابسة والبحر والجو، ولولا الحرب العالمية التي أفقرت الدول كلها، حتى كاد يقضى على المدنية بتأثيراتها المنهكة، لاتسع نطاق الاستعمار أكثر مما اتسع، ولزاد عدد الشعوب الداخلة في غماره.

ولكل دولة مستعمرة اليوم سياسة استعمارية خاصة، كما أن لكل أمة خصائصها وميزاتها. وليس من شك في أن الاستعمار علامة نشاط أمة تريد أو تحاول أن يكون لها مقام لائق في العالم، وصفقة المستعمرين تعود بأعظم الأرباح المادية، مقابل خسائر في الأرواح تتحملها الدولة المستعمرة، ولا تعدها شيئا يؤسف له إذا نجحت التجارة، واغتنى أفراد وشركات، وارتاش بعض الموظفين والمقربين من أعيان الدولة المستعمرة. ويقول من كتبوا في استحسان الاستعمار من الإفرنج: إنه نفع الإنسانية والمدنية، كلام مجمل يحتاج إلى تفصيل.

البلاد المستعمرة وطرق الاستعمار الحديث

لا جدال في أن معظم البلاد المستعمرة اليوم آخذ بالنهوض من حيث تراتيبه وعمرانه، أما دوام حياة المستعمرات والاحتفاظ بكيانها فتبع لقوة أهل المستعمرة الأقدمين؛ فإن كانوا من جنس ضعيف التراكيب، كالجنس الأحمر والأسود، ضعفت مقاومتهم لهذا الجنس الآري الأبيض الذي جاءهم بكل ضروب القوة ، ففني الضعيف في القوي، على نحو ما حدث في كثير من أصقاع إفريقية وأميركا. وإذا كان أهل البلاد المحتلة أو المستعمرة من عنصر راق ذي مدنية معروفة كالهندي، فهناك المشادة بين الدخيل والأصيل؛ لأن سكان البلاد لا تفوتهم فائتة من نيات من نزلوا عليهم، ولا يرجى بحال من صاحب السلطة القاهرة أن يربي من يستتبع إلا على ما يوافقه؛ ليتسنى له الانتفاع به أطول مدة ممكنة، أو تكون بلاده للمحتل ولأعقابه ملكا مؤبدا على وجه الدهر؛ ولذلك نرى هذا المحتل يحاول أن يلقن من يستعمره أو يحميه، جماع منازعه ومآتيه، ولا يفتأ يعمل على إدماجه في جملته، وتجنيسه بجنسيته، وإلحاقه بقوميته. يلقنه عظمته وعظمة قومه، ويحاول أن ينسيه ماضيه ويخرجه عن مميزاته، يتصرف بقلبه وروحه على ما يهوى، والغالب ألا يترك له من موارد الحياة إلا سدادا من عوز وما يمسك عليه الرمق. وفي النادر أن ترحم أمة ذات سلطان أمة لا حول لها ولا طول، وما عهد ذلك لغير الأمة العربية، على ما أكد ذلك العارفون من الغربيين اليوم. ولا يستغربن أحد ما يشاهد من غارات الدول المستعمرة ما دمنا موقنين أن المدنية الحديثة هي ابنة «المادة»، والإنصاف يقل في أهل المادة، وهم يحتقرون في سبيلها المثل العليا والأخلاق الفاضلة، وتقبل أذهانهم كل وسيلة ما دامت الغاية جمع المال، كما قال أحد كتاب الأميركان. وساغ بعد هذا أن يقال: إنه ليس من العدل في قليل ولا كثير ما أوردته الشعوب اللاتينية من المبررات للاستيلاء على شمالي إفريقية مثلا.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ١٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ١٣٧