5
ابن الملك جوان الأول البرتقالي المتوفى سنة 1460م، وكان عالما باحثا انقطع إليه بعض اليهود وعلماء من الفاسيين والمراكشيين المغاربة كانوا يعدون لذاك العهد علماء العالم، فأخذوا ينقبون في جغرافيات العرب وغيرها، حتى عرفوا إمكان الدوران حول إفريقية، فكان لهذا الأمير الفضل على أوروبا كلها، وما تم ذلك على يده إلا بأبحاث علماء العرب وكتبهم.
ووصل البرتقاليون بعد حين إلى جزائر الأبازير فأصبحت ميدانا لتجارتهم أمدا طويلا، انتهوا إلى مليبار في الهند في سنة أربع وتسعمائة من الهجرة
6 (1498م)، ودخلوا إلى كاليكوت واشتغلوا بالتجارة وقالوا لعمال السامري: ينبغي منع المسلمين من تجاراتهم، ومن السفر إلى بر العرب، والفوائد الحاصلة منهم يحصل منا أضعافها. وقال كبيرهم لراعي كش: أخرج المسلمين عن كش يحصل لك منا من الفوائد أضعاف ما يحصل منهم، فأجاب بأنهم رعيتنا من قديم الأزمان، وبهم عمارة بلدنا فلا يمكننا إخراجهم. وكان البرتقاليون يطلقون على المسلمين اسم «الكفار».
وكان من أول مقاصد فاسكودي جاما الملاح البرتقالي من طوافه بحر الهند محاربة السفن
7
العربية، بل كان الغرض من تطوافه في هذا البحر أن يحارب الصليب الهلال في أقصى بقاع المعمور، أو أن تحارب رومية مكة في مكان يبعد أكثر من ألف وخمسمائة فرسخ عن الميادين المألوفة لاقتتالهما، ترسل البرتقال جنودها وبحارتها إلى ما وراء القارة الإفريقية؛ لتحيط بالإسلام وتجعله بين نارين لتجفف ينابيع ثروته، وتقضي على صروح عظمته وشوكته، حتى إن البوكرك الملاح البرتقالي لما هاجم عدن عزم على إغراء الحبشة بتحويل النيل عن مجراه إلى البحر الأحمر، كما خطر بباله أن يهاجم مكة بجيش من الفرسان، وأهم ما كان الغرب يهتم له في الواقع أنه كان للهند طريقان في منتصف القرن الخامس عشر: أحدهما من البر والآخر طريق مصر والشام في البحر، وكان كلاهما في أيدي المسلمين. فالبرتقال تولت فتح هذا الطريق لأبناء الغرب؛ ذلك لأن البرتقاليين كانوا يعرفون العرب منذ استولوا على بلاد البرتقال أواخر القرن الأول من الهجرة، ويعرفون بأسهم وشدة مراسهم، ويقدرون غناءهم في أعمال الحياة قدره، ولا ينسون أنهم ذاقوا الأمرين مدة قرنين حتى أخرجوهم من ديارهم، ثم عادوا بعد سنين واستولوا على بلادهم دهرا؛ ولذلك كانت عداوة البرتقاليين للمسلمين في جنوبي الهند بالغة حدا كبيرا على ما قال زين الدين: يهزءون بهم، ويظلمونهم، ويعطلون حجهم، ويحرقون مساجدهم، ومنها ما اتخذوه بيعا لهم، ويأخذون مراكبهم وأموالهم، ويطأون مصاحفهم وكتبهم بأرجلهم، ويحرقونها بالنار، ويهتكون حرمة المساجد، ويحرضون على قبول قول الردة والسجود لصليبهم، وإذا سقط أسرى المسلمين، رجالا كانوا أم نساء ، في أيدي البرتقاليين ينصرونهم قسرا، إلى غير ذلك مما كانوا ينزلونه فيهم خاصة من العذاب ليخلو لهم الجو في تلك الأصقاع، ويقبضوا على زمام تجارة الهند، ويطردوا عن أسواقها وموانيها المنافسين لهم. ورجع البرتقاليون لأول مرة من مليبار إلى البرتقال يحملون في سفنهم الأبازير، وتتابع في كل سنة وصول مراكبهم العديدة تقل من البرتقال الرجال والأموال، وتوالت أسفار مراكبهم الكثيرة بهذه الحاصلات الثمينة كالفلفل والزنجبيل والقرفة والقرنفل والبسباس مما تكثر فائدته، ولم يبق للمسلمين غير تجارة القوقل والنارجيل ونحوهما.
أما أمراء المسلمين وغيرهم في تلك البلاد فما استناموا للضيم الذي أصابهم ممن جاءوهم متجرين ثم مستعمرين، وكانوا كثيرا ما يحاربون البرتقاليين وينال بعضهم من بعض «ولم تتوطد سلطة البرتقاليين في الساحل دون غارات ومصاعب، فإن العرب كانوا يطرقون كل باب لإثارة خواطر الأهلين على مزاحميهم البرتقاليين وطردهم عن المراكز التجارية التي كانوا هم أصحاب التصرف المطلق فيها.» وخاف الغوري صاحب مصر فأرسل في بحر القلزم أسطولا لقتالهم، يصدهم عن بلاده وينقذ تجارة مصر منهم؛ لأن معظم تجارة الشرق كانت تصدر إليها، وقد عاونته البندقية على عمله، وأرسلت إليه الخشب لعمل السفن في البحر الأحمر؛ لأنها كانت تخشى أيضا على تجارتها، ولما سقطت دولته أرسلت الدولة العثمانية بإمرة أحد قوادها أسطولا مؤلفا من مائة مركب، فقتل سلطان عدن وبعض كبرائها من العرب حتى جعلها في قبضته، ثم وصل إلى جزرات وشرع في حرب ديو (1538م)، وكسر أكثر القلعة بالمدافع العظام التي كانت معه، ثم تهيب الإفرنج فرجع أدراجه من غير فتح إلى مصر فبلاد الروم، وعاد الأتراك يحاربون البرتقاليين في تلك الأصقاع النائية، وشغلوا قسما من قواتهم فيها، توقفوا معها عن تحقيق أمانيهم من فتوحهم في أوروبا؛ لأن الترك كانوا بلغوا أسوار فينا وألقوا الهلع في قلوب أهل الغرب.