36
هذه صورة من غزوات المغول والترك على الحضارة العربية، وإلمامة بالعوامل العظيمة التي تحيفتها في القرون الأربعة الأخيرة بقيام دولة حربية أعجمية خربت في أيامها المدارس، وضاعت الأوقاف، وتراجعت المصانع والصنائع، وفقدت الكتب وأدوات الصناعة، ووسائل إخراج الثروة، فكان هذا المرض الذي استحكم في البلاد زمنا طويلا بفعل الدولة وعمالها الخائنين أشد عليها من جميع أمراضها السالفة، يشبه ما حل بساحتها من مصائب المغول المرة بعد المرة، وعابر سبيل إذا حاول التدمير قد يكون ما جنته يده الأثيمة أقرب إلى الإصلاح، من مقيم يخرب كل يوم في المعنويات والماديات، على غير اطراد ولا نهج معقول، ويطول عهد تخريبه وتخريفه.
| غارات المستعمرين من الغربيين على بلاد المسلمين وغيرهم
تاريخ الاستعمار واستعمار البرتقاليين
بين الاستعمار والاستثمار تقلب البشر في أرجاء الأرض ولا يزال يتقلب: يستأثر العامل بالخامل، ويتحكم العالم بالجاهل، يغزو القوي الضعيف، ويستهوي الأعز الأذل، والجهاد في ذلك على أشكال تختلف طريقتها، وتتفق أبدا نتيجتها، والغاية المنشودة تحصيل الرزق من كل وجه وبكل حيلة، والأخذ بحظ من النعمة، تعين على الاستمتاع بمباهج الحياة ومناعمها. والطبيعة ما حادت عما رسمته من قانون: يأكل المستبسل المستسلم، والأرض على الدوام بين غالب ومغلوب، وصائد ومصيد، والدنيا ما انفكت طعمة لمن غلب.
الاستعمار ضرب من الهجرة ينزل المهاجر بلدا يسكنه سكنى دائمة على غير أمل العودة إلى موطنه الأصلي فيعمر الأرض بكده، ويستخرج خيراتها ببذل أوفى نصيب من سعيه، يزيد في إمراعها، للاستكثار من ريعها، على أتم منوال، وأجمل مثال، وإذا سألت
1
المدركين من المستعمرين قالوا لك: إن استعمارنا تقاضانا كثيرا من الشجاعة والبطولة والمفاداة والعبقرية، وإننا استصفينا كل مدرة من أرض مستعمراتنا بنقطة هريقت من دم أولادنا، ونحن نقصد من جهودنا أن يؤسس لنا أبناؤنا في كل مكان ملكا يضاهي بعظمته بلادنا، يفلحون بما ينتجون، وينتشرون ويتكاثرون، ويحتفظون بلغتهم وأخلاقهم ونبوغهم، فتنمو ثروتنا، ويخلد مجدنا، وتستفيض شهرتنا.
ينشأ الاستعمار في العادة من حركة
2
رجال تختلف درجات حضارتهم وأساليب انتفاعهم في أصقاع مختلفة الأوضاع، تتباين صور السير فيها، ويتم هذا الاستعمار بوسائل سلمية، ولا يستلزم منه أن يكون أبدا استعمارا مدنيا، فما كل حين يقوم الاستعمار على الزراعة والتجارة، بل كثيرا ما كانت تهاجم البلاد المستعمرة فتؤخذ حربا. والاستعمار عريق في القدم، ومن أقدم الأمم التي عانته الفينيقيون والرومان واليونان، واستعمار الفينيقيين تجاري، كانوا يجتزئون فيه بإنشاء مكاتب لمتاجرهم في البلاد التي ينزلونها، وما سكن قط أبناؤهم فيما استعمروه من البلاد سكنى دائمة، وطريقة الرومان واليونان في استعمارهم أن يسكنوا بنيهم فيما يحتلون من الأرض، ولذا أزاحوا الفينيقيين عن متاجرهم، وكان العرب أرباب خبرة واسعة في الاستعمار شهد لهم الإفرنج بذلك، وذكروا أنهم ظلوا معروفين بهذه الصفة في كل أدوار تاريخهم،
3
وما استطاع الجنويون والبيزيون والبنادقة وهم أجداد الطليان، أن يتعدوا حد الاستثمار في مستعمراتهم، فأشبه استعمارهم الاستعمار الفينيقي والقرطاجني.
كان البرتقاليون في بدء العصور الحديثة أول الأمم الغربية التي نهضت للاستعمار، فبدءوا باحتلال سواحل الغرب الأقصى حتى لم يبق بيد المسلمين من ثغوره غير سلا
4
ورباط الفتح واستولوا على بلاد الهبط وضايقوهم بها، حتى انحازوا إلى الأمصار المنزوية عن الأطراف، ثم أخذوا يتقدمون في بحر الظلمات حتى كشفوا شواطئ إفريقية الغربية والشرقية، متقدمين إلى الشرق للاتصال بجزائر الأبازير «البهارات» كشفوا هذه الطريق على عهد الأمير هنري